أيقونة العنف بلا هوادة.. هل كان فيلم “لا وطن لكبار السن” نذيرا لأميركا؟ | فن


مرت 15 عاما على صدور فيلم “لا وطن لكبار السن” (No country for old men) المقتبس من رواية للكاتب الأميركي كورماك مكارثي التي جاءت “عنيفة بلا هوادة في تناولها شخصية رجل شرير شديد الهدوء، لكنه متطرف وعنيد جدا، لدرجة أن سماع صوته يشعرك بالتجمد في مكانك” كما يقول الناقد إيه أو سكوت.

الفيلم أصبح أيقونة الأخوين كوين، وحصد 4 جوائز أوسكار، وولا صفه الناقد ديفين فاراتشي بأنه “فيلم لا تشوبه شائبة تقريبا، فالشخصيات رشيقة، وكل مشهد مكتمل تماما بذاته، ولحظات التشويق آسرة، وإن كانت آخر 20 دقيقة تعد أعجوبة قد يصعب على معظم المشاهدين فك رموزها”.

وتقول الناقدة روز مكويرتر “لم يربك الأخوان كوين المشاهدين ولم يصيبوهم بالحيرة والإحباط مثلما فعلوا في هذا الفيلم”، فقد حشدا فيه كل ما يميز مدرستهما المتفردة منذ أوائل التسعينيات في دراما الجريمة المشوبة بالكوميديا السوداء، والصراع العدمي، ومسائل القدر والضمير، والقسوة البالغة المتجاوزة لحدود العقل.

الأفلام “المعجزة”

سبق للأخوين كوين أن قدما فيلم “فارغو” (Fargo) 1996 الذي فاز بجائزتي أوسكار، ليؤكدا فيه على مقاربتهما القائمة على تصوير الحياة في شكل “صراع ثلاثي بين طمع إنساني مندفع يولد قتلا وحشيا في ظل عدالة واهنة”، ليعودا بمزيد من الدهشة في هذا الفيلم “الأشبه بتعويذة تختفي خلف واجهة من السخرية لا يمكنك قراءتها حرفيا، فهي تسحب أي بساط تحاول أن تقف عليه” على حد قول الناقد ديفيد دينبي.

أما روجر إيبرت الناقد الفائز بجائزة بوليتزر والذي توفي عام 2013 فيقول “رغم أن أفلام الأخوين كوين تتضمن عناصر من الإثارة والمطاردة فإنها في الأساس دراسة لشخصية إنسان سيئ وقاس وعديم الشعور بشكل لا يمكن تفسيره”.

ويوضح إيبرت أن هذا الفيلم هو “استحضار بارع للزمان والمكان والشخصية والخيارات الأخلاقية والمعتقدات الخاطئة والطبيعة البشرية والقدر” من خلال تصوير روجر ديكنز الجميل بشكل مذهل، وموسيقى كارتر بورويل الذي أبدع موسيقى فيلم “فارغو” أيضا، “فارغو” -الذي يعتبره إيبرت بداية لهذه الموجة من الأفلام “المعجزة” التي تأتي فيها معظم المشاهد “بشكل لا تشوبه شائبة”، لدرجة تجعلك تريدها أن تستمر، في الوقت الذي تسيطر عليك حالة تشويق تجذبك إلى المشهد التالي.

وحشية ما بعد الحداثة

قدم الأخوان كوين عملا “تميز ببداية قوية ومركزة جدا نجحت في تحقيق الإحساس الجسدي والنفسي بالرهبة” كما يقول ديفيد دينبي، وبدا كأنه يتنبأ بأميركا في مرحلة ما بعد الحداثة، ويحذرها من عنف أكثر وحشية.

“إنه أفضل ما لدى مكارثي وآل كوين وأفضل ما في مسيرتهم حتى الآن، من حيث تمتعه بحدس بارد، ونذير لما قد تكون عليه أميركا” بعد ما سمعه الشريف المحبط توم من عمه الشرطي العجوز المتقاعد إليس (باري كوربين) عندما أخبره أن “أميركا كانت دائما دولة صعبة وقاسية تأكل أبناءها”، بحسب الناقد بيتر برادشو.

فنحن أمام 3 نماذج ذكورية في غرب تكساس عام 1980 تشكل خيوطا رئيسية في حبكة ملتوية، الأول: رجل قانون عجوز هو توم بيل (تومي لي جونز)، يمثل صوت العقل، لكنه يشعر بالعجز أمام نوعية جديدة من الجرائم يميزها الشر الذي لا يرحم، فيظل على هامش الأحداث، ويكتفي بإبداء ملاحظاته الحزينة حول أن الحضارة قد وصلت إلى نهايتها وتلاشت في حقول غرب تكساس.

والثاني: عامل بسيط هو ليولين موس (جوش برولين)، يهوى الصيد، ويعيش في مقطورة مع زوجته كارلاجين (كيلي ماكدونالد)، ويمثل غباء التطلع والاندفاع الأعمى نحو الثراء حين يطمع في الإفلات بحقيبة مليئة بمليوني دولار اغتنمها من عصابة قتل أطرافها جميعا، قبل أن يتبين أن الحصول على المال أسهل من الاحتفاظ به عندما يصبح كمطارد في كابوس يستطيع الركض ولا يستطيع الاختباء.

السفاح شيغور تجسيد لعالم الافتراس

أما الثالث فقاتل مختل هو أنطون شيغور (خافيير بارديم) الذي يترجم فلسفة آل كوين عن “الشر المفرط غير المفهوم” بابتسامته المرعبة وهو يتنقل حاملا خزانا من الهواء المضغوط يقتل به كل من يصادفه كأنه “يرمز إلى القدر والصدفة والغرابة والقسوة وفوضى الحياة”، بحسب إيبرت.

قال عنه إيثان كوين في مقابلة مع موقع “شُد” (chud) “من الواضح أن شيغور عندما يحدد مصائر الآخرين برمي العملة فهو تجسيد للعالم كمكان متقلب لا يرحم، إنه يمثل الافتراس الذي لا علاقة له بالخير والشر”، مما أدهش الناقد ديفيد دينبي وأصبح يتساءل: من هو شيغور؟ ماذا يكون؟ يذبح 12 شخصا دون أن يتمكن أحد من رؤيته، ويقتل شرطيا، لكن السلطات لا تهب أبدا لتعقبه، فهل شيغور هو الموت؟ أم أنه شخصية خارقة للطبيعة؟ أو شبح انتقامي؟ “لقد نجحت الطريقة المخيفة والأنيقة التي استخدمها الأخوان كوين في تقديم شيغور، في إثارة الإحساس بالوخز لدى الجمهور “من شدة غرابتها”.

فيلم ليس للجميع

في النهاية “تحير شخصيات الأخوين كوين المشاهدين وتجبرهم على الاستمتاع بعبثية الفيلم والحياة، وتترك فراغا داخل قلوبهم وعقولهم يبقى مفتوحا للتفكير، في رجل يموت بسبب فشله في اتخاذ الخيارات الصحيحة، وآخر يعرف أن الوقت قد حان لترك الأمور تسير وفقا لتصاريف الأقدار، أما الشرير فهو باق حولنا، ووجوده أمر أساسي كوجود ملاك الموت” بحسب تحليل الناقد رون إيفانجليستا.

لكن، لا عجب، فقد قال إيثان كوين في مقابلته مع موقع شُد “كما أن كورماك مكارثي لا يكتب الرواية للجميع فنحن أيضا عندما نصنع فيلما فإننا قد لا نصنعه للجميع، لكننا نصنعه لعدد كاف من الأشخاص الذين سيرونه مثيرا للاهتمام، لذا لا نقلق بشأنه”.



Source link