إستراتيجية بايدن للأمن القومي الأميركي: (5) التحديات المزمنة | آراء


نتابع في هذا المقال استعراض بقية التحديات المشتركة التي تهدد المصالح الحيوية للولايات المتحدة وحلفائها وشركائها، وللعالم بشكل عام، وهي المجالات التي تتكرر عادة في إستراتيجيات الأمن القومي الأميركي للإدارات السابقة، والتي تقدم فيها تصوراتها لمواجهة هذه التحديات التي، ولكن بصورة حالمة، سرعان ما تتحطم على صخرة المصالح الوطنية، والأزمات الإقليمية والدولية المزمنة التي تنحاز فيها الإدارات الأميركية فقط لمصالحها الوطنية، ومقتضيات الهيمنة والزعامة المنفردة قبل أي شيء آخر.

على خلاف العديد من التقارير، تشدد إستراتيجية بايدن على أن تهديد الإرهاب اليوم أكثر مما كان عليه قبل 20 عامًا؛ بفعل توسّع تنظيمي القاعدة وداعش.

في مواجهة التحديات المشتركة

أولًا: الأوبئة والدفاع البيولوجي

تشير الإستراتيجية إلى أن فيروس “كوفيد-19” تسبّب في وفاة ما يقرب من 6.5 ملايين شخص في العالم، بما في ذلك أكثر من مليون أميركي، وتساير منظمة الصحة العالمية والمنظمات المتخصصة في صناعة الأدوية واللقاحات في التحذير من أن الوباء التالي قد يكون أسوأ بكثير، ومن أن الفرصة المتوفرة ضيقة لاتخاذ خطوات على الصعيدين الوطني والدولي للاستعداد لمواجهة هذا الوباء وتعزيز الدفاعات البيولوجية ضده.

هذا يتطلب من الولايات المتحدة والعالم المسارعة إلى أخذ الاستعدادات اللازمة لمواجهة المخاطر البيولوجية الكارثية المتوقعة، في عرض أشبه ما يكون بعرض الأمين العام لمنظمة الصحة العالمية أو الملياردير الشهير بيل غيتس. وقد أشارت الإستراتيجية إلى دعمها لبرنامج “كوفاكس” (COVAX) للّقاحات الذي أطلقته منظمة “GAVI” المتخصصة في إنتاج اللقاحات، والتي أنشأها بيل غيتس.

في سياق آخر، شددت الإستراتيجية على أن الولايات المتحدة ستقوم بمعالجة المخاطر المتزايدة والمخاطر البيولوجية المتعمّدة، والمخاطر العرضية المحتملة، وأكدت ضرورة العمل مع الشركاء والحلفاء من أجل تعزيز اتفاقية الأسلحة البيولوجية لردع قدرات الدولة التي تلجأ إلى الحرب البيولوجية، ومنع حيازة الإرهابيين للأسلحة البيولوجية أو استخدامها، وتعزيز القواعد الدولية ضد تطوير واستخدام الأسلحة البيولوجية.

ثانيًا: انعدام الأمن الغذائي

تشير الإستراتيجية إلى التهديد الذي تتعرض له أنظمة الغذاء العالمية اليوم لأسباب عديدة، من بينها الآثار الاقتصادية لجائحة كورونا وأزمة المناخ، وخصوصًا أزمة الغذاء المترتبة على الحرب الروسية على أوكرانيا، والتي زادت من احتياجات مئات الملايين من الأشخاص في أنحاء العالم، ودفعت بالولايات المتحدة إلى تقديم مزيد من المساعدات الإنسانية أكثر من أي وقت مضى.

وضعت الإستراتيجية مجموعة من الإجراءات لمواجهة هذه الأزمة على المدى البعيد، وهي إجراءات تُردّد باستمرار على مدى السنوات من دون جدوى، كدعوة جميع الحكومات إلى اليقظة، والشراكة مع المؤسسات المتعددة الأطراف، والمنظمات غير الحكومية، والشراكة مع كل من الشركاء المحليين والهيئات الدولية. ويندرج تحت ذلك ما أسمته الإستراتيجية بخارطة الطريق للأمن الغذائي العالمي، وهي نداء للعمل يحث أكثر من 100 دولة سبق أن وقّعت على اتخاذ العديد من الإجراءات التي تسهم في تحقيق الأمن الغذائي.

ثالثًا: الحد من التسلح ومن انتشار أسلحة الدمار الشامل

شددت الإستراتيجية على أن هناك حاجة ماسة إلى التعاون المستدام لمنع انتشار أسلحة الدمار الشامل والمواد الانشطارية، وتقنياتها، ووسائل إيصالها، وأن الولايات المتحدة ستعمل مع الحلفاء والشركاء والمجتمع المدني والمنظمات الدولية لتعزيز آليات الحد من التسلح ومنع انتشار أسلحة الدمار الشامل، خاصة في أوقات الصراع عندما تكون مخاطر التصعيد زائدة.

وذكرت الإستراتيجية أن الولايات المتحدة ستقود جهود الحد من التسلح، الثنائية والمتعددة الأطراف، وستعمل على تعزيز الأنظمة والأطر والمؤسسات المختصة، بما في ذلك معاهدة عدم انتشار الأسلحة النووية، والوكالة الدولية للطاقة الذرية، وهيئات الأمم المتحدة الأخرى، ومنظمة حظر الأسلحة الكيميائية واتفاقية الأسلحة البيولوجية. كذلك ستعمل على تعزيز القواعد المناهضة لامتلاك واستخدام الأسلحة الكيميائية والبيولوجية.

رابعًا: الإرهاب

رغم التقارير العديدة التي تؤكد بها الإدارة الأميركية أن ما يسمى بـ”الإرهاب” الذي سيطر على إستراتيجيات الأمن القومي للولايات المتحدة على مدى العقود الثلاثة الماضية قد تراجعت حدّته ولم يعد يحتل الأولوية لدى وزارة الدفاع، فإن إستراتيجية بايدن تصرّ على أن التهديد الإرهابي اليوم هو أكثر تنوعًا من الناحية الأيديولوجية، وأكثر انتشارًا على المستوى الجغرافي، مما كان عليه قبل عقدين من الزمن، بفعل توسّع تنظيم القاعدة وداعش والقوات المرتبطة بهما من أفغانستان والشرق الأوسط إلى أفريقيا وجنوب شرق آسيا، وأن سوريا واليمن والصومال لا تزال ملاذات للإرهاب، وقد أصبحت الفروع المحلية جهات فاعلة راسخة في النزاعات الإقليمية.

ولمواجهة هذا التهديد الإرهابي، ستعمل الولايات المتحدة على زيادة التعاون والدعم للشركاء الموثوق بهم لوضع إستراتيجية جديدة، من أجل بناء أو توسيع أنظمة منع التهديدات واكتشافها والتصدي لها في مراحلها الأولى، بما في ذلك التهديد الكبير والمتزايد الذي تواجهه الولايات المتحدة من داخلها بسبب مجموعة من المتطرفين المحليين العنيفين، لأسباب عنصرية أو عرقية أو سياسية.

تكرر الولايات المتحدة التزامها بمستقبل تزيد فيه هذه التقنيات من الأمن والازدهار وتعزيز قيم الشعب الأميركي والديمقراطيات ذات التفكير المماثل، وستعمل إستراتيجيتها التكنولوجية على إنتاج الأدوية التي يمكنها علاج الأمراض.

خامسًا: مكافحة الجريمة المنظمة

أشارت الإستراتيجية إلى التهديد الذي تمثله المنظمات الإجرامية العابرة للحدود، كالاتجار بالمخدرات والسلع غير المشروعة، وغسل الأموال، والسرقة، وتهريب البشر والاتجار بهم، والجرائم الإلكترونية، والاحتيال، والفساد، والصيد غير المشروع والتعدين. وشددت الإستراتيجية على أن الولايات المتحدة ستقوم بتسريع الجهود للحد من التهديد الذي تشكله هذه المنظمات، ودمج العمل على إنفاذ القانون مع الأدوات الدبلوماسية والمالية والاستخباراتية وغيرها، وبالتنسيق مع الشركاء.

سادسًا: تشكيل قواعد الطريق

مرة أخرى، تبرز النزعة القيادية الأميركية للعالم، عندما تتحدث الإستراتيجية عن الدور القيادي للولايات المتحدة في قيادة عملية إنشاء مؤسسات وقواعد ومعايير تحكم التجارة والاستثمار الدوليين والسياسة الاقتصادية والتكنولوجيا، بعد الحرب العالمية الثانية، بما يساعد على تحقيق أهداف الولايات المتحدة ويعود بالفائدة على الناس في جميع أنحاء العالم، ولكن وفقًا للمصالح والقيم الأميركية.

يأتي ذلك في سياق التعريض من جديد بالصين التي باتت، من وجهة نظر الإستراتيجية، تهدد سلاسل التوريد وتنتهك الإجراءات الاقتصادية. وترى الإستراتيجية أنه لا يوجد أكثر إلحاحًا من تحديث قواعد الطريق للتكنولوجيا والفضاء السيبراني والتجارة والاقتصاد، وأنها ستعمل على تعزيز وتحديث نظام الأمم المتحدة والمؤسسات المتعددة الأطراف بشكل عام، بالتنسيق الوثيق مع حلفائها وشركائها.

سابعًا: التكنولوجيا

تشدد الإستراتيجية على أن التكنولوجيا عنصر أساسي في المنافسة الجيوسياسية اليوم، لمصلحة مستقبل أمن الولايات المتحدة القومي واقتصادها وديمقراطيتها. وترى أن التقنيات الحاسمة والناشئة التي سيشهدها العقد المقبل ستعمل على إعادة تجهيز الاقتصادات، وتحويل الجيوش، وإعادة تشكيل العالم.

كما تشدد على التزام الولايات المتحدة بمستقبل تزيد فيه هذه التقنيات من الأمن والازدهار، وتعزيز قيم الشعب الأميركي والديمقراطيات ذات التفكير المماثل، وأن إستراتيجيتها التكنولوجية ستعمل على إنتاج الأدوية الجديدة التي يمكنها علاج الأمراض، وزيادة إنتاج الأطعمة الصحية وزراعتها بشكل مستدام، وتنويع سلاسل التوريد التصنيعية وتقويتها، وتأمين الطاقة دون الاعتماد على الوقود الأحفوري، كل ذلك مع توفير الوظائف والأمن للشعب الأميركي وحلفائه وشركائه. وتذكر الإستراتيجية أن إدارة بايدن أطلقت بدعم من الحزبين الديمقراطي والجمهوري إستراتيجية صناعية حديثة، وحصلت بالفعل على استثمارات تاريخية في الطاقة النظيفة، وتصنيع الإلكترونيات الدقيقة، والبحث، والتطوير، والتكنولوجيا الحيوية.

ثامنًا: تأمين الفضاء السيبراني

شددت الإستراتيجية على أن الولايات المتحدة ستعمل من كثب مع الحلفاء والشركاء لتحديد معايير البنية التحتية الحيوية لتعزيز المرونة الإلكترونية، وبناء قدرات جماعية للاستجابة السريعة للهجمات السيبرانية التخريبية من المجرمين، وحرمانهم من الملاذ الآمن، ومكافحة الاستخدام غير المشروع للعملات المشفرة لغسل عائدات الجرائم الإلكترونية، وتعزيز الالتزام بالإطار الذي أقرّته الجمعية العامة للأمم المتحدة لسلوك الدولة المسؤولة في الفضاء الإلكتروني، والذي يعترف بأن القانون الدولي ينطبق على الإنترنت، تمامًا كما هو خارج الإنترنت.

تاسعًا: التجارة والاقتصاد

مرة أخرى، تبرز الصين في الإستراتيجية كمهدد للتجارة والاقتصاد الدوليين، حيث توضح الإستراتيجية أن ازدهار أميركا يعتمد أيضًا على تجارة عادلة ومنفتحة ونظام اقتصادي دولي، إلا أن جهات فاعلة كالصين تنتهك القواعد الطويلة الأمد التي تحكم التجارة وغيرها من وسائل التبادل الاقتصادي، مما يؤدي إلى تفاقم عدم المساواة وأزمة المناخ. ومن هنا، يجب على الولايات المتحدة حشد الشركاء مرة أخرى لخلق مجال متكافئ من شأنه أن يمكّن العاملين والشركات الأميركية -وتلك الخاصة بالشركاء والحلفاء في جميع أنحاء العالم- من الازدهار، ومواجهة التحديات الخطيرة الطويلة الأجل للنظام الدولي، كتلك التي تفرضها الصين.

عاشرًا: الرهائن والمعتقلون الخطأ

أوضحت الإستراتيجية أن الولايات المتحدة تعمل مع شركائها لردع وإحباط عمليات الاعتقال والاحتجاز للأميركيين بصورة غير شرعية. وقد أصدرت إدارة بايدن في يوليو/تموز 2022 أمرًا بالعمل بـ”قانون ليفينسون” الجديد، لمعاقبة من يقومون باختطاف أو احتجاز الأميركيين بشكل غير قانوني في الخارج. وتعمل الولايات المتحدة مع شركاء دوليين رئيسيين لتعزيز وتنفيذ الإعلان الكندي لمناهضة الاحتجاز التعسفي في العلاقات بين دولة ودولة، من أجل وضع حد لهذه الممارسة اللاإنسانية وصياغة معايير دولية ضدها.

أحد عشر: مكافحة الفساد

تعدّ الإستراتيجية الفساد الإداري والمالي تهديدا أساسيا لسيادة القانون لتحقيق مكاسب خاصة تؤدي إلى تدهور بيئة الأعمال وتقويض الفرص الاقتصادية وتفاقم عدم المساواة، وتقليل ثقة الجمهور بمؤسسات الدولة، التي بدورها يمكن أن تزيد من جاذبية الفاعلين غير الليبراليين الذين يستغلون المظالم الشعبية لتحقيق مكاسب سياسية. وتقرّ الإستراتيجية بأن هذا الفساد يهدد الأمن القومي داخل الولايات المتحدة وخارجها، وتؤكد الإستراتيجية أن الولايات المتحدة ستعمل مع شركائها على تعزيز قدرات الحكومات على محاربة الفساد.

(… يتبع)



Source link