إصلاح أنظمة التقاعد في أوروبا.. حالة خاصة أم ضرورة عالمية؟ – الشبيبة


مسقط – الشبيبة 

شهدت العديد من دول العالم وخاصة في أوروبا تعديلات وتحديثات على أنظمة التقاعد بما يشبه حملة الإصلاح الشاملة التي لم تتوقف عند رفع سن التقاعد في بعض الدول مثل فرنسا التي رفعت سن التقاعد من سن 62 عاماً إلى سن 64 عاماً الأمر الذي يعني زيادة سنوات العمل في فرنسا. وتبعت هذه الخطوة إجراءات مشابهة في دول أوروبية أخرى فقد أدرك صناع القرار في هذه الدول أن سن التقاعد المعمول به سابقاً لم يعد ممثلاً للتغيرات الديموجرافية التي تشهدها أوروبا بشكل خاص والعالم بشكل عام. 

وتظهر التقارير الاجتماعية والمتخصصة في شؤون العمل والتقاعد أن سنوات العمل في الدول الأوروبية قبل الوصول إلى التقاعد تتراوح في أقلها بين 31.8 سنوات في إيطاليا، وتصل في أعلاها إلى 46.3 سنوات في أيسلندا، بينما تقدر سنوات العمل في فرنسا بـ 35.4 عاماً. وتختلف سنوات بين الرجال والنساء في أوروبا وتقدر سنوات عمل الرجال ب38.6 بينما يصل معدل سنوات العمل للنساء إلى 33.7 عاماً.

وتشير البيانات والتقارير العالمية أن الدول الأوروبية منها ألمانيا، وإيطاليا، والسويد عملت خلال السنوات الـ25 الماضية على إعادة النظر بأنظمة التقاعد ومواصلة تحديثها من حين إلى آخر، ولم تقف الإجراءات الإصلاحية عند رفع سن التقاعد أو زيادة سنوات العمل فحسب، بل شملت تحفيز المواطنين على زيادة مساهماتهم في برامج الادخار المختلفة وكان الهدف من ذلك إعادة التوازن لصناديق التقاعد وتعزيز التدفقات النقدية.

وينصح الخبراء العالميون في هذا المجال جميع دول العالم بضرورة مراجعة برامج التقاعد من وقت إلى آخر بشكل متواصل لضمان إدارة صناديق التقاعد بأفضل طريقة تضمن استمرارية الصناديق واستدامة مواردها بشكل يضمن قدرتها على الإيفاء بالتزاماتها المستقبلية. ويؤكد الخبراء على أهمية دراسة المعطيات الديموجرافية والاقتصادية والاجتماعية في كل بلد بشكل مستمر، والعمل على تحديد سن التقاعد حسب هذه المعطيات. كما ينصح الخبراء بربط سن التقاعد بارتفاع متوسط العمر المتوقع في هذه البلدان.

وفي الوقت الذي أظهرت الدول الأوروبية قدرة جيدة على التكيف مع المعطيات الاقتصادية والتغيرات الاجتماعية في إدارة ملفات التقاعد، وصفت السويد بأنها من أكثر الدول الأوروبية نجاحاً في رسم سياسات ووضع أنظمة تقاعد مرنة وقادرة على التكيف مع المتغيرات. وينظر للتجربة السويدية بأنها من أنجح التجارب الأوروبية نظراً لقدرتها على توفير مظلة للحماية الاجتماعية للفئات المختلفة في المجتمع، والأهم من ذلك قدرتها على وضع برامج اقتصادية وفرص عمل للمتقاعدين تعيد دمجهم بسوق العمل المحلي وتوفر لهم فرص جديدة بعد التقاعد.

يعد العمل على إصلاح أنظمة التقاعد وإعادة صياغتها من المسائل الأكثر تعقيداً في أي دولة نظراً لارتباط الموضوع بأبعاد اقتصادية تؤثر بشكل مباشر على الاقتصاد الكلي للدول وقدرتها على تحقيق النجاح في سياساتها المالية والاقتصادية مع عدم المساس بالمتطلبات الاقتصادية والتنمية الاجتماعية للأفراد والعائلات. وعادة ما تتطلب هذه الجهود مشاركة خبراء محلين وعالمين في إدارة هذا الملف ويستغرق إنجاز هذه المهمة الكثير من الدراسات والنقاشات المستفيضة التي قد تستغرق سنوات من العمل والمراجعة.

وفي الوقت الذي حرصت فيه الدول الأوروبية على إدارة ملف التقاعد بالدراسة والبحث والتعديل من وقت إلى آخر، شهد العالم الكثير من الأمثلة على الإخفاق في التعامل مع هذا الملف، ولعل التجربة اليونانية تعتبر من أحدث هذه التجارب العالمية. فقد عرف نظام التقاعد اليوناني بأنه من “أكرم” أنظمة التقاعد في أوروبا من حيث نسبة راتب التقاعد ومن حيث سن التقاعد، إلا أن هذا النظام ألقى بنتائج كارثية على الاقتصاد اليونان فقد وضع أعباء ثقيلة على الأنظمة المالية في اليونان وجعل الدولة أكثر عرضة للصدمات الاقتصادية الخارجية التي بلغت ذروتها في عام 2008 ومن بعدها أزمة الديون الأوروبية مما أجبر الدولة على اتخاذ قرارات اقتصادية قاسية وأجبرت على اتخاذ إصلاحات هيكلية وجذرية في أنظمة التقاعد.

تؤكد التجربة الأوروبية على أن إصلاح أنظمة التقاعد حاجة حتمية لكل دولة وهي ليست حاجة أوروبية فقط، فنحن نعيش في عالم منفتح مترابط وإذا هبت رياح التغيير في قارة سوف تتأثر دول العالم من جراء هذا التغيير، ومن الواضح أن هناك دروس مستفادة من هذه التجارب، أولها وأبرزها ضرورة مراجعة البرامج التقاعدية، وربط هذه المرجعات بالمتغيرات الاقتصادية والاجتماعية، ويجب أن تضع هذه المراجعة في سلم أولوياتها تحقيق التوازن بين الاحتياجات الاقتصادية للدولة والاحتياجات الاجتماعية للأفراد والأسر، ويجب أن تتضمن الإجراءات الإصلاحية بناء مظلة حماية للأفراد والأسر الأضعف في المجتمع لضمان عدم تأثرهم بشكل كبير بأي تغيير محتمل.



Source link