اعتقالات واتهامات متبادلة.. ما أسباب توتر العلاقات الإيرانية الفرنسية وما مآلاته؟ | سياسة


طهران- عادت العلاقات بين طهران وباريس لدائرة التوتر مجددا، وسط اتهامات إيرانية للدول الغربية باستغلال الاحتجاجات في البلاد لإثارة الاضطرابات وزيادة الضغوط عليها عبر تشديد العقوبات.

وبعد 6 أشهر على بث التلفزيون الإيراني اعترافات لمواطنين فرنسيين، هما سيسيل كولر (37 عاما) وشريكها جاك باريس (69 عاما)، بأنهما يعملان لمصلحة جهاز الأمن الفرنسي بغية “إثارة اضطرابات في إيران عبر التغلغل في احتجاجات المعلمين” التي كانت تشهدها البلاد آنذاك، كشف وزير الداخلية الإيراني أحمد وحيدي الأربعاء عن “اعتقال عدد آخر من عملاء المخابرات الفرنسية على خلفية الاحتجاجات” المتواصلة منذ شهرين.

في المقابل، نفت وزارة الخارجية الفرنسية اتهامات طهران بشأن مواطنيها وقالت إن الاعتقالات طالت 7 مواطنين فرنسيين بشكل “تعسفي” في إيران.

بدوره، قال الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون -في ختام قمة مجموعة الـ20 في إندونيسيا- إن إيران “تتعامل بعدوانية متزايدة تجاه فرنسا باعتقالها مواطنين فرنسيين وأخذهم رهائن”.

Press conference of French President Emmanuel Macron in G20 Leaders' Summit
ماكرون ندد في ختام قمة الـ20 بما سماها أعمالا عدوانية من جانب إيران (وكالة الأناضول)

اعتقال أجانب

ورغم أن إعلان وزير الداخلية الإيراني يأتي عقب استقبال الرئيس الفرنسي 4 ناشطات في المعارضة الإيرانية وإشادته بـ”الثورة التي تقودها النساء في إيران”، فإن اعتقال الأجانب في إيران لم يقتصر على المواطنين الفرنسيين، وإنما شمل أحيانا سياحا وأكاديميين ودبلوماسيين غربيين آخرين، وتزامن مع ارتفاع الضغوط الأوروبية على طهران.

وبعد اعتقال السفير البريطاني السابق لدى إيران روب ماكاير خلال مشاركته في احتجاجات شعبية على خلفية إسقاط الحرس الثوري طائرة ركاب أوكرانية عن طريق الخطأ في يناير/كانون الثاني 2020، أعلن جهاز استخبارات الحرس الثوري في يوليو/تموز الماضي احتجاز جايلز ويتار نائب رئيس البعثة الدبلوماسية البريطانية بتهمة التجسس على مناطق عسكرية، إلى جانب رونالد غشين زوج المستشارة الثقافية في السفارة النمساوية وآخرين.

أسباب التوتر

وتعليقا على ذلك، يرى أستاذ العلاقات الدولية بجامعة الشهيد بهشتي، علي بيكدلي، أن الاتهامات المتبادلة الأخيرة بين طهران وبعض العواصم الأوروبية رفعت منسوب التوتر في العلاقات الثنائية بينهما، مستدركا أن التوتر بين طهران والدول الغربية ليس وليد المرحلة الراهنة.

وفي حديثه للجزيرة نت، أشار المحلل الإيراني إلى مواقف الترويكا الأوروبية (فرنسا وبريطانيا وألمانيا) من الاحتجاجات الجارية في إيران ودور هذه الدول في فرض سلسلة عقوبات على طهران، مؤكدا أن باريس باعتبارها الرئيس السابق للتكتل الأوروبي لعبت دورا بارزا في زيادة الضغوط الغربية على طهران.

وفي شرحه لجذور التوتر بين إيران والدول الأوروبية، قال بيكدلي إن أسباب الخلاف بينهما لا تخرج عن ثالوث النووي والسياسة الإقليمية والحرب على أوكرانيا، مؤكدا أن إفشال المبادرة الأوروبية لإنقاذ الاتفاق النووي ساهمت في إعادة التوتر في العلاقات بين طهران والدول الأوروبية.

وتابع أنه فضلا عن اعتراف طهران بتزويد روسيا بطائرات مسيرة قبل بدء الحرب على أوكرانيا، فإن الجانب الغربي يرى في سياسات إيران الإقليمية عاملا مزعزا للاستقرار ويهدد الاستثمارات الغربية في الشرق الأوسط بشكل مباشر.

وكان ماكرون قد قال للصحفيين في ختام قمة مجموعة الـ20 إنه “يرى عدوانية متزايدة من جانب إيران تجاه المنطقة من خلال أعمال عدوانية للغاية في الأيام القليلة الماضية على الأراضي العراقية”، في إشارة منه إلى قصف الحرس الثوري الإيراني مقار أحزاب كردية في كردستان العراق.

تتأثر بالتطورات

من جانبه، يرى مدير معهد العلاقات الدولية مجيد زواري أن العلاقات الإيرانية الغربية تتأثر مباشرة بالتطورات على الساحة الإيرانية وموقف العواصم الأوروبية منها، ويقول إن التوتر في العلاقات الإيرانية الغربية ليس حديثا، وإن طهران وباريس تتبادلان الاتهامات وتلعبان بالأوراق التي تمتلكانها لاحتواء سلوك الطرف المقابل.

وفي حديثه للجزيرة نت، قرأ زواري موقف العواصم الغربية، لا سيما باريس، من الاحتجاجات المتواصلة في إيران في سياق سياسة الضغط على طهران لتعديل سلوكها في المفاوضات النووية وموقفها من الحرب الروسية على أوكرانيا.

وتوقّع توسع دائرة التوتر في العلاقات الإيرانية الغربية خلال الفترة القليلة المقبلة، مستدركا أن مثل هذه الخلافات لن تخرج عن السيطرة.

مآلات التوتر

ويرى زواري أن العامل الاقتصادي من أهم الأوراق التي تلعب دورا إيجابيا في تنظيم العلاقات الدولية، مؤكدا أن سياسة الحكومة الإيرانية الحالية في التوجه نحو الشرق على حساب الغرب يقوّض آمال باريس بالحضور مجددا في الأسواق الإيرانية.

وأوضح الخبير الإيراني أن انسحاب الولايات المتحدة من الاتفاق النووي أدى إلى انسحاب العديد من الشركات الفرنسية من الأسواق الإيرانية، إلا أن الانسداد في مفاوضات فيينا يكاد يقضي نهائيا على احتمال عودتها إلى إيران.

ويرى مدير معهد العلاقات الدولية أن مساعي الدول الغربية لتدويل الملفات الإيرانية، ومنها التحركات الرامية لإدانة طهران في مجلس حقوق الإنسان واتخاذ إجراءات ضدها في مجلس محافظي وكالة الطاقة الذرية، قد يفاقم الأزمة ويؤدي إلى عودة الضغوط الأممية ضد الجمهورية الإسلامية.

وعن مآلات التوتر في العلاقات الإيرانية الأوروبية، يقول زواري إن احتمالات احتواء التوتر في علاقات طهران مع الغرب أكبر من أسباب مفاقمتها.

ويعتبر أن أي خطوات قد تقدم عليها إيران من أجل إحياء الاتفاق النووي والنأي بالنفس من حرب روسيا على أوكرانيا وتبادل السجناء مع الدول الغربية سوف تنعكس إيجابيا على نزع فتيل التوتر بينهما.



Source link