الاستشراق كأداة الغرب الأيديولوجية | آراء


على مدار يومين اثنين استضافت جامعة “سيرت” خطابات جاذبة جدا للانتباه قدّمها عشرات الأكاديميين الأتراك والأجانب الذين قاموا بدراسات في مجال التغريب والاستشراق، والذين قدموا أفكارا عدة في هذا المجال خاصة تحت عنوان “الآخر في الحضارة الإسلامية”.

التغريب يعني حرفيا “العلم بالغرب”، والذي تم تناوله من قبل العرب والمسلمين كرد فعل عكسي ضد الاستشراق، وهو مصطلح يعني “العلم بالشرق”، وفكرة التغريب في هدفها الأساسي هي محاولة القيام بأبحاث حول الغرب نيابة عن الغربيين، وهو الأمر الذي فعله الغرب بالشرق من خلال الاستشراق.

ونتحدث هنا عن هدف التغريب عموما لأنه مثله مثل الاستشراق لا يوجد فيه حتى الآن تخصص أو مجال أو أدب محدد يمكن تسميته بالتغريب. ومع ذلك هناك بعض الاهتمامات وبعض الدراسات التي يمكن الوقوف عليها، والقول إنها ما يجب أن يدرسه المضطلعون بهذه العملية وكيف يكون المسار الصحيح الذي يسيرون فيه لإتمام تلك المهمة.

الاستشراق مقابل التغريب

هي في الواقع فكرة تتبادر إلى الذهن على الفور، ولكن لم يكن من الممكن حتى وقت قريب تحويل هذه القضية إلى مشروع جاد وتنظيمها كمنهج أو برنامج منفصل في الجامعات.

كتب حسن حنفي، الفيلسوف الإسلامي المصري الشهير، كتابا ضخما حول هذا الموضوع؛ حيث يعالج فيه فكرة البحث حول الغرب نيابة عن المسلمين كما فعل الاستشراق بالشرق، لكن مثل هذا العمل لا يحدث بالكلمات فقط؛ لأن الاستشراق ليس مجرد عملية بدأها الشرقيون بقرارهم دراسة الشرق، بل هو مهمة امتدت لعدة قرون تراكم فيها الأدب والخطاب ونقل الثقافة وبحثها. بالإضافة إلى ذلك؛ إذا كان الاستشراق أمرا سيئا، فيجب أن يكون نقيضه أمرا سيئا أيضا، وليس من المستحب أن يرد المسلمون على شر بشر مثله.

يعتبر الاستشراق حديث الظهور، إلا أن معرفة الشرق وما يتعلق به من أفكار تعود إلى الأزمان الغابرة، ويؤيد ذلك ما عُثر عليه في التنقيبات من النقوش الأثرية على الأحجار، ثم تلت ذلك حركة الاستشراق في القرون الوسطى، لتؤكد ذلك من خلال الوقائع التاريخية والنصوص الجغرافية، وكتب الأسفار وغيرها

أسّس حنفي لعلم الاستغراب في مواجهة علم الاستشراق، معتبرا أن الاستشراق الأوروبي زود العقل الغربي بمركب غرور باعتباره ذاتا دارسة جامعة للمعلومات والتحليل عن المشرق فكرا وإنسانا وحضارة، كما أنه أيضا ولد مركّب ناقص عند المشرقي باعتباره ذاتا مدروسة.

درس حنفي الاستغراب باعتبار أثره الشديد على الذاكرة والذائقة العربية، حيث أصبح الغرب النموذج المؤثر بقوة في مختلف مدارس الإصلاح، فليس الإصلاح الديني الذي تقدم به جمال الدين الأفغاني، ولا الإصلاح المدني والثقافي الذي تقدم به رفاعة الطهطاوي، ولا الإصلاح العلماني الذي تقدم به شبلي شميل ومن يرى رأيه؛ أكثر من رجع صدى للانبهار المشرقي بالذات الغربية وقيمها وثقافتها، ومنجزاتها الواقعية.

ويدفع حنفي بضرورة التخلص من وهم الفوقية الغربية، أو اتخاذ الغرب مصدرا وحيدا للمعرفة، معتبرا أن ذلك الوهم جزء أساسي من الاستعمار الثقافي وتضخم الآخر في نظر الأنا العربية، وفي سبيل ذلك يدفع مقولات التكامل والتشابه بين الثقافة العربية والثقافة الغربية، بل يرى أن التضاد والتعارض بينهما في الأصول والقيم والمآلات هما الحقيقة التي ينبغي أن يصل إليها النظر الفكري السليم.

وتجرى الآن أول دراسة منهجية حقيقية حول التغريب في كلية العلوم الإسلامية بجامعة قطر، وقد أثمرت الدراسات التي أجريت على هذا المنهج ثمارها الأولى، والآن عميد الكلية الدكتور إبراهيم عبد الله الأنصاري أشرف على تقديم هذا الموضوع في شكل موسوعة مؤلفة من 4 مجلدات.

أيضا، الأسبوع الماضي، تم تنظيم ندوة عن التغريب لأول مرة في تركيا في كلية الإلهيات بجامعة سيرت. وكانت النقاشات جادة وحقيقية، وتهدف إلى إعادة تعريف هذا المفهوم بحقيقته وكيفية التعامل معه من قبل الباحثين والدارسين.

بادئ ذي بدء، من الضروري أن نسأل ما إذا كانت دراسة التغريب ممكنة فعلا في ظل الهيمنة الثقافية والسياسية التي يقوم بها الغرب أم لا؟ وبمجرد أن نتجاوز مسألة ما إذا كان ذلك ممكنا من عدمه، يجب أن ننتقل للتساؤل عن مدى أهميتها أو قيمتها.

يمكن الإجابة عن هذه الأسئلة من خلال البحث الحقيقي والشامل لفكرة الاستشراق التي قام بها الغرب، وبدراسته يمكن أن نصل لإلهام حقيقي حول فكرة التغريب التي تعنينا.

الاستشراق كوسيلة لفهم التغريب

الاستشراق هو حركة فكرية وفلسفية أسسها البيروقراط في بريطانيا بغرض فهم ثقافات وفلسفات وأديان الشرق إبان الاستعمار البريطاني للهند أواسط القرن الـ 18، وتوسعت حركة الاستشراق في الدول الاستعمارية كبريطانيا، وفرنسا، وألمانيا، ودُرِست من قبل الأكاديميين في أروقة الجامعات والمعاهد العلمية بصورة أكثر منهجية، وشملت الشرق الأقصى والأدنى والأوسط بما فيها الدول العربية.

والاستشراق -بصفته حركة- بدأ لترسيخ الاستعمار البريطاني للهند، ولكن مع تطوره إلى فكر تأريخي يهتم بدراسة مكونات الشرق يُحسب للمستشرقين أنهم هم من منعوا مساعي بريطانيا لتحويل الهند لدولة مسيحية.

والمستشرق هو مؤرخ، ولا يتمتع كل المؤرخين بالموضوعية والنزاهة أثناء تناول تراث الغير، والاستشراق حركة تأريخية لا تستهدف الأديان والأعراق، ويعتبر العرب -خاصة رجال الدين- الاستشراق حركة استعمارية وتزييفا للتاريخ الإسلامي، نظرا لعدم تناول أغلب المستشرقين للتاريخ الإسلامي بصورة انتقائية تستبعد الجانب السيئ من التاريخ الإسلامي وتبرز الجيد.

ويعتبر الاستشراق حديث الظهور، إلا أن معرفة الشرق وما يتعلق به من أفكار تعود إلى الأزمان الغابرة، ويؤيد ذلك ما عُثر عليه في التنقيبات من النقوش الأثرية على الأحجار، ثم تلت ذلك حركة الاستشراق في القرون الوسطى، لتؤكد ذلك من خلال الوقائع التاريخية والنصوص الجغرافية، وكتب الأسفار وغيرها.

أما ما هو الزمن الذي أخذ فيه الاستشراق نموه الحقيقي، وأصبح علما يدرس، فيمكن القول إن المساعي التي بذلها الباحثون من إيطاليا وبريطانيا والبرتغال لدراسة الشرق، كانت في القرنين الـ 15 والـ 16 الميلادي، وكان من بينهم على سبيل المثال توماس هربرت.

كان هذا الباحث الشاب ذكيا وماهرا، واستطاع الوصول إلى السواحل الجنوبية لإيران قادما من الهند، بالتنسيق مع السفير البريطاني آنذاك، فبدأ بكتابة بحوثه حول إيران والإيرانيين. وفي القرنين الـ 17 والـ 18 أخذ الاستشراق في الانتشار حتّى إن كتاب “كلستان سعدي” طبع لأول مرّة في أوروبا خلال تلك الفترة.

ومنذ أواخر القرن الـ 17 الميلادي أصبحت مدينتا لندن وباريس من المراكز الرئيسية في تدريس الاستشراق، ثمّ توسع حتى أصبحت أكثر البلدان الأوروبية في الوقت الحاضر لديها معاهد خاصة بتدريس الاستشراق بجميع أقسامه، وتخرج في كل عام أعدادا كبيرة من الأساتذة، الذين يغذون البحوث والدراسات في أوروبا في مجال الاستشراق.

المستشرقون الحقيقيون

إن الذين جاؤوا لدراسة الشرق كانوا أفرادا متفاوتين، فمنهم من جاء بلباس عسكري أو غير عسكري، أو بصفة أطباء أو معلمين، لكنهم في حقيقة الأمر قساوسة كان هدفهم التنصير (التبشير بالدين المسيحي) وكانوا يترددون بكثرة على لبنان وسوريا ومصر. وظلت حركة الاستشراق موضع شك لدى الكثيرين، وبسبب هذا الغموض انقسم الناس نحوها إلى فريقين:

  • الأول: ينظر إلى المستشرقين بعين الاحترام.
  • الثاني: ينظر إليه على العكس من ذلك، لأنّه كان من بينهم أُناس مهّدوا للاستعمار الغربي، وكانوا أداة لتسلّط الغرب على الشرق، كما لا يخفى أنّ منهم جماعة دفعهم شوق التعرّف على الشرق وأسراره، وتحمّلوا في سبيل ذلك كثيرا من الصعوبات والمشاق. وعلى أيّ حال مهما كانت الأغراض والدوافع التي دفعت للاستشراق، فإنّ الاستشراق شيء، والمستشرقين شيء آخر.

الاستشراق مشروع ناجح بالنسبة للغرب والخاسر فيه هو الشرق، حيث إنه لا مكان فيه للعمل الفردي، إنه عمل جماعي يمتلك هوية حقيقية وتراكمية وجماعية، وبالتالي فهو نوع من المعرفة التي لها منهج معين ومدرسة للتحليل والتفسير والمجال هو الشرق بكل مكوناته

الاستشراق كوسيلة الغرب للتفكير في الشرق

يمكن أيضا اعتبار جميع الأدبيات حول الاستشراق هي في الأصل شكل من أشكال التغريب لأنها تقدم طريقة تفكير غربية بالأساس، أو بالأدق تعطي إشارات للطريقة الغربية في التفكير في الشرق. بتعبير أدق؛ يتجلى أحد أوضح مظاهر التغريب فيما ينتجه المستشرقون حول الشرق، لأن الاستشراق نفسه في ذاته هو المعرفة الغربية، ومعرفة أولئك الذين يكتبون عن الشرق والطريقة التي يفكرون بها هي نفسها التغريب.

ومع ذلك، من الضروري القول إن التغريب ليس بأي حال من الأحوال نظيرا مماثلا للخطاب المستشرق الذي ظهر كرد فعل؛ حيث إن المكان الذي تنظر منه شعوب البلد الغازي والقادم من أجل استغلال البلد المحتل؛ ليس مساويا للمكان الذي ينظر منه السكان الأصليون الذين رأوا أنفسهم يتعرضون لهجوم ولم يتمكنوا من التغلب على الآثار المتسلسلة لهذا الهجوم الأول لعدة قرون.

ومنذ اليونان القديمة؛ كنا نقرأ الصور النمطية التي لدى الغربيين عن المجتمعات الشرقية، بداية من الاستبداد الشرقي للفرس، الذي تم تصويره على أنه مناقض للديمقراطية الأثينية، وهو أول خطاب مستشرق معروف. ومع ذلك؛ لم يقم الشرقيون بوضع تصور عن الغرب كخطاب يؤسس لهويتهم الخاصة خلال هذه الفترات.

يمكن القول إن الاستشراق مشروع ناجح بالنسبة للغرب والخاسر فيه هو الشرق، حيث إنه لا مكان فيه للعمل الفردي، إنه عمل جماعي يمتلك هوية حقيقية وتراكمية وجماعية، وبالتالي فهو نوع من المعرفة التي لها منهج معين ومدرسة للتحليل والتفسير، والمجال هو الشرق بكل مكوناته.

بالإضافة إلى ذلك، ورغم أن هناك استشراقا إيجابيا يتمثل في أن المستشرق جمع المخطوطات ورتبها وبوبها وحفظها في المكتبات الغربية فحقق وترجم، وأنشأ المعاجم والفهارس وسهل تقنية البحث العلمي، إلا أنه لا يوجد ما يسمى “الاستشراق الموضوعي” أو الإيجابي، لأن كل ما يفعل وكل ما يقال عن أنه موضوعي له ارتباط بالمصلحة فقط، وبالتالي فالاستشراق أيديولوجيا.

هذا التوجه الذي أولاه الغرب لمعرفة الشرق لم يولد من فراغ لأن المثقف الغربي دائما يبني دراساته على تساؤلات تجعله يبحث عن حلول لمعالجتها، وهذا هو سر تفوقهم، حيث إن السؤال الذي حيّر بعض المستشرقين هو ما سر جاذبية الإسلام وسرعة انتشاره؟ فهذا ليون فانتاني مثلا يؤلف كتابا عنوانه “المصيبة الإسلامية” يتساءل فيه عن سر دخول الشعوب النصرانية إلى الإسلام، وذاك مكسيم رودنسون يؤلف كتابا آخر عنوانه “جاذبية الإسلام”. إن هذه الطائفة من المستشرقين كان هدفهم ولا يزال هو اعتبار الإسلام دينا يجب محاربته لأنه يشكل عقبة أمام انتشار حضارتهم.



Source link