تقنين الدروس الخصوصية في مصر.. هل انتصر تجار التعليم؟ | سياسة


القاهرة- لسنوات طويلة كانت محاربة الدروس الخصوصية على رأس أولويات المسؤولين عن التعليم في مصر، قبل أن يفاجئ وزير التربية والتعليم رضا حجازي الجميع بإعلانه نية الحكومة تقنين أوضاع مراكز الدروس الخصوصية (السناتر جمع سنتر بتسمية المصريين) ومنح المدرسين رخصة للعمل بها، وإسناد إدارة مجموعات التقوية المدرسية لشركات خاصة.

وقال الوزير -أمام مجلس النواب الثلاثاء الماضي- إن فاتورة الدروس الخصوصية تصل إلى 47 مليار جنيه (2.3 مليار دولار) ولا تعلم عنها الحكومة شيئا، معتبرا أن التقنين سيمكن الدولة من “الحصول على حقها في هذه الأموال، وتوفير بيئة آمنة للطلاب”.

التحول المفاجئ في الموقف الحكومي تجاه الدروس الخصوصية أثار الدهشة والانتقادات، لا سيما أن موقف وزارة التعليم كان على النقيض تماما قبل أيام من تصريحات حجازي، حتى أن الوزارة أعلنت مطلع أكتوبر/تشرين الأول الجاري عن خطة لمكافحة الدروس الخصوصية في المحافظات بالتنسيق مع الجهات المعنية.

واستهل حجازي العام الدراسي الجديد 2022/2023 في سبتمبر/أيلول الماضي بإصدار كتاب دوري يشدد على التصدي بحزم لظاهرة الدروس الخصوصية وبذل كافة الجهود لمحاربتها، واتخاذ الإجراءات القانونية تجاه المخالفين.

شهادة وفاة التعليم

تصريحات الوزير الأخيرة أثارت انتقادات واسعة تحت قبة البرلمان، واعتبرها برلمانيون بمثابة شهادة وفاة للتعليم الحكومي والمدارس في البلاد.

وقال النائب عبد المنعم إمام إن تقنين وشرعنة الدروس الخصوصية سيجعل التعليم مجالا للتميز الطبقي وهو ما يرفضه المصريون، معتبرا أن ما يحدث جريمة بحق المصريين.

بدوره، حذر النائب عاطف ناصر من أن تقنين مراكز الدروس الخصوصية وإسناد إدارة المجموعات المدرسية لشركة خاصة سيزيد من معاناة المواطن أكثر وأكثر.

وسرعان ما انتقل الجدل حول تصريحات الوزير لمواقع التواصل والشارع، حيث يعاني المصريون منذ عقود من أزمة الدروس الخصوصية التي تثقل كاهلهم بمزيد من الأعباء وكانت توصف بالسوق السوداء للتعليم.

فكرة وليست قرارا

وفي حديثهم للجزيرة نت، أعرب عدد من خبراء التعليم عن معارضتهم لخطوة تقنين الدروس الخصوصية بدلا من القضاء عليها ومعالجة أسبابها.

وقال مساعد وزير التربية والتعليم سابقا رضا مسعد “هذه هي المرة الأولى التي تثار فيها قضية تقنين الدروس الخصوصية على لسان الوزير الحالي خلال اجتماعه بالنواب في البرلمان، هي طرحت كفكرة ولكن لا يوجد بها قرار وزاري أو سياسي لاعتمادها، وقد تكون فكرة تحتاج إلى المزيد من الدراسة والبحث ويمكن أن تصل للرفض”.

وأكد مسعد أنه لا يجوز تقنين الأخطاء أيا كانت، والدروس الخصوص خطأ من أخطاء التربية والتعليم، وهذا أشبه بالطب الخاص وكل شيء خاص، وهذه ضد سياسة الخدمات العامة التي توفرها الدولة.

ورأى مسعد -الذي شغل سابقا منصب رئيس قطاع التعليم بالوزارة- أن وجود ظاهرة قوية لا يمكن السيطرة عليها مثل الدروس الخصوصية لا يعني أن نقوم بتقنينها وترخيصها، لأن هناك العديد من الظواهر السلبية والخاطئة في المجتمع وتقنينها ليس هو الحل، مشيرا إلى أنه كان يرجو عدم الإعلان عن هذه الفكرة قبل دراستها بشكل واف.

بدوره، قال محمد جابر قاسم أستاذ المناهج وطرق التدريس ووكيل كلية التربية بجامعة أسيوط (جنوب) إن الدروس الخصوصية التي يطلق عليها “التعليم في السوق السوداء” أو “التعليم في الظل” هي نظام خفي متسلق يزدهر في ظل تراجع حجم ومستوى أداء الخدمة التعليمية، والعكس صحيح حيث يتراجع إذا تحسنت هذه الظروف.

وأشار قاسم إلى أن استمرار الدروس الخصوصية يضع عبئا إضافيا على كل أطراف العملية التعليمية، بداية من الطالب الذي يفقد القدرة على التعلم الذاتي ويصبح اعتماده على التلقين بدلا من الفهم، وأسرته التي تتحمل أعباء مادية إضافية، فضلا عن إهدار مبدأ مجانية التعليم والمساواة وتكافؤ الفرص التعليمية.

كما يتعرض المعلم للإرهاق نتيجة التنقل بين الدروس، وقد يؤدي الصراع بين بعض المدرسين على إعطاء الدروس الخصوصية للطلبة إلى إهدار هيبة المعلم، كما تفقد المدارس الانضباط. ودعا قاسم إلى انتهاج أسلوب علمي للقضاء على هذه الظاهرة بدلا من تقنينها، بما يشمل الارتقاء بكل مقومات العملية التعليمية، وتعديل السلوك الاجتماعي للطالب وأسرته.

وصمة عار

ومن جانبهم وصف المعارضون للقرار تقنين الدروس الخصوصية بأنه وصمة عار في جبين العلم والمعرفة، وانتصار ساحق لتجار التعليم ومافيا الدروس الخصوصية، التي كانت محاربتها دائما على رأس أولويات وزارة التعليم.

وأبدوا دهشتهم من لجوء الوزارة إلى تقنين الدروس الخصوصية بدلا من العمل على النهوض بمنظومة التعليم، وحل أزماتها الكثيرة المتراكمة منذ عقود، وعلى رأسها إنهاء العجز في الفصول الدراسية، والمدرسين، وتحسين أحوالهم المادية والوظيفية، وإعادة الانضباط للمدارس، وهو ما يغني الطالب عن اللجوء إلى الدروس الخصوصية.

واعتبر المعارضون أن هذا القرار يعني اعتراف الدولة بفشل التعليم في المدارس، ويمهد للقضاء على دور المدرسة تماما، ويمثل خضوعا لسطوة مافيا الدروس الخصوصية، وسيدفع المدرسين إلى إهمال المدرسة والتركيز على الدروس الخصوصية.

ورأوا أن الدولة اتخذت الطريق الأسهل، فبدلا من مواجهة الظاهرة السلبية رأت تقنينها، مقابل اقتسام العائد الكبير الذي يبلغ 47 مليار جنيه (2.3 مليار دولار) وفق تصريحات الوزير.

قرار جريء

في المقابل، رحب البعض بقرار الوزير معتبرين أنه قرار جريء لأن مراكز الدروس الخصوصية أمر واقع، وسيقضي تقنينها على العشوائية التي تتسم بها، ويجعلها تعمل وفق ضوابط ومعايير تساهم في تحسين التحصيل العلمي للطلاب.

وأشار المؤيدون إلى أن كثيرا من أصحاب التخصصات الأخرى، مثل الهندسة والطب والمحاماة، لديهم مكاتب وعيادات خاصة.

وحمّل البعض الأهالي مسؤولية تفشي الدروس الخصوصية، لعدم قدرتهم على متابعة التحصيل الدراسي للأبناء، ليرد عليهم آخرون بأنه عندما كانت المنظومة التعليمية منضبطة وجيدة لم يكن الطلاب يحتاجون الدروس الخصوصية، بينما كان من يحصل عليها يخجل من إعلان ذلك.

السوق السوداء للتعليم

يعاني المصريون منذ عقود من ظاهرة الدروس الخصوصية التي توصف بأنها مافيا التعليم أو السوق السوداء للتعليم، والتي تضاعف إنفاق المصريين عليها بشدة خلال السنوات الأخيرة.

وقدر بحث الدخل والإنفاق (2019-2020) الصادر عن الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء (حكومي) إجمالي إنفاق المصريين على التعليم بنحو ​482.2 مليار جنيه (24 مليار دولار) بينها أكثر من 136.4 مليار جنيه (حوالي 7 مليارات دولار) تنفق على الدروس الخصوصية سنويا، رغم المحاولات التي تعلن عنها السلطات لتحجيم هذه الظاهرة.

في هذا السياق، يرى الباحث الاقتصادي عبد الخالق فاروق في كتابه “اقتصاديات الفساد في مصر” أن ظاهرة الدروس الخصوصية تمثـل أحد جوانب فساد النظام الاجتماعي والتعليمي المصري التي استفحلت منـذ عهد الرئيس الراحل أنور السادات.

وأوضح فاروق أن انفجار معدلات التضخم وارتفاع الأسعار أجبر آلاف المعلمين على وسيلتين لتعويض التدهور السريع والخطير في مستويات معيشتهم: الأولى الهجرة إلى الدول العربية للعمل هناك، والثانية “تعاطي داء الدروس الخصوصية”.

وأضاف أن النظام التعليمي المصري كله أصبح رهينة لتلك الحالة، وأصبح تدهور الأداء التعليمي في المدارس الحكومية والخاصة أحد أهم أهداف “تجار التعليم”.

ظاهرة “السناتر”

خلال السنوات الأخيرة، انتقلت الدروس الخصوصية من المنازل إلى مراكز خاصة يطلق عليها المصريون “السناتر” وتشهد حضورا طلابيا مكثفا يصل إلى المئات وأحيانا آلاف الطلاب.

وقدر وزير التعليم السابق طارق شوقي قبل سنوات حجم ما ينفقه المصريون على هذه “السناتر” بنحو 30 مليار جنيه (1.5 مليار دولار) سنويا، وتعهد بالقضاء على الدروس الخصوصية بحلول عام 2020، إلا أنه غادر الوزارة بعد هذا التاريخ بعامين دون أن يتمكن من تحقيق وعده.

وشنت الحكومة حملات واسعة استهدفت مراكز الدروس الخصوصية، وأعلنت وزارة التنمية المحلية في أكتوبر/تشرين الأول 2021 أنها تمكنت بالتعاون مع الأمن من إغلاق 97 ألفا و988 مركزا للدروس الخصوصية خلال الفترة (ديسمبر/كانون الأول 2020 إلى أكتوبر/تشرين الأول 2021) وهو ما يشير إلى مدى انتشار هذه المراكز في جميع المحافظات.

وبالتزامن مع هذه الحملات، طالبت مصلحة الضرائب، في نوفمبر/تشرين الثاني 2021، القائمين على مراكز الدروس الخصوصية بفتح ملفات ضريبية لنشاط التدريس الخاص.

وبعد انتقادات واسعة طالت القرار وقتها واعتبره البعض خطوة لتقنين الدروس الخصوصية، أعلنت مصلحة الضرائب أن فتح ملف ضريبي لا يعد سندا قانونيا لتقنين أوضاع مراكز الدروس الخصوصية، ولا يتعارض مع اتجاه الدولة بشأن محاربتها.

مهرجانات ورقص

وتعتمد مراكز الدروس الخصوصية على طرق جديدة لجذب الطلبة، منها الاستعانة بالأغاني الشعبية وما بات يعرف بأغاني المهرجانات، فضلا عن الاستعانة بالأدوات الموسيقية وتلحين كلمات الدروس وتحويلها إلى أغان راقصة، ووصل الأمر إلى إحضار أحد المدرسين راقصة وأراجوزا إلى قاعة الدرس، وجلب آخر راقص التنورة.

ويبرر “أباطرة الدروس الخصوصية” -وفق التسمية الشائعة- هذه الوسائل بأنها تساعد الطلاب على استيعاب دروسهم وتثبتها في أذهانهم. كما تحول بعض المدرسين إلى نجوم شباك بشكل مبالغ فيه، وأصبح بعضهم يقدم الدروس الخصوصية في قاعات الأفراح والساحات الرياضية. ويشتد التنافس بينهم عبر إعلانات ترويجية تحمل ألقابا مبالغا فيها مثل “آينشتاين الفيزياء، عبقري الرياضيات، أسطورة الكيمياء” وما إلى ذلك.

عجز المدرسين

في هذا الإطار، يرى خبراء في مجال التعليم أنه في الوقت الذي كانت الوزارة تعلن فيه محاربة الدروس الخصوصية، فإن سياساتها كانت تدفع الناس دفعا لهذه الدروس، في غياب المدرس الكفء عن المدارس.

فبينما تعاني المدارس المصرية من عجز كبير في عدد المدرسين يصل إلى أكثر من 320 ألف معلم في جميع القطاعات التعليمية -وفقا لبيانات وزارة التربية والتعليم- تكتفي الوزارة في محاولاتها سد هذا العجز بالمتطوعين والمدرسين المؤقتين الذين يعملون بالقطعة مقابل رواتب هزيلة لا تتجاوز 20 جنيها (دولارا واحدا) للحصة.

وتشهد المدارس زيادة سنوية في عدد الطلاب تتجاوز المليون، وهو ما يعني الحاجة إلى 25 ألف معلم سنويا، وما يزيد من الفجوة هو إحالة ما يقارب 40 ألف معلم للمعاش سنويا.

المصدر : الإعلام المصري + الجزيرة + مواقع التواصل الاجتماعي





Source link