صرخة أمهات لاستعادتها.. لماذا تحتجز إسرائيل جثث 373 شهيدا فلسطينيا في ثلاجاتها ومقابر أرقامها؟ | حريات


رام الله- لم يقتل الاحتلال الإسرائيلي 16 عاما من الأمومة وفيض الحنان فحسب، بل حرم الأم الفلسطينية كفاح شديد حق النظر إلى جثمان ابنها الشهيد هيثم الذي قتله بالرصاص، ويخفي جثمانه منذ الثامن من سبتمبر/أيلول الماضي.

بالكاد تجاوزت أم هيثم صدمة خبر قتل ابنها الوحيد، لكن جرحها يتعمق أكثر في كل يوم يمر من دون أن يتحدد مكان ومصير جثمانه أو تلقي نظرة الوداع على جسده، بسبب استمرار احتجازه، أسوة بعشرات الشهداء الآخرين.

الشهيد هيثم شديد يواصل الاحتلال احتجاز جثمانه منذ الثامن من سبتمبر/أيلول 2022 (مواقع التواصل)

حملة مستمرة

وفي مطلع نوفمبر/تشرين الثاني الجاري أطلقت أمهات عدد من الشهداء حملة مستمرة تحت شعار “صرخة أمهات”، تتضمن فعاليات شعبية ووقفات واعتصامات في مختلف المدن الفلسطينية، بهدف إيصال رسالتهن إلى العالم والضغط على الاحتلال للإفراج عن الجثامين المحتجزة، وفق ما صرحت به السيدة شديد للجزيرة نت.

تقول أم هيثم إن كل الأبواب القانونية والسياسية موصدة، ولم تجد نفعا في إعادة جثامين الشهداء بعد أن قرر الاحتلال احتجازها لغرض المساومة.

وتضيف “سنستمر في رفع صوتنا حتى تعود إلينا جثامين أبنائنا ونلقي عليها نظرة الوداع وندفنها وفق الشريعة الإسلامية، وفي قبور معلومة؛ كي نزورهم ونقرأ على أرواحهم سورة الفاتحة”.

قتلوه مرتين

وجنوبي الضفة الغربية، ما زال الألم يعتصر قلبي والدي موظف محكمة بداية الخليل الذي قادته مهنته في توزيع بلاغات المحكمة إلى وسط المدينة، حيث انتشار الجنود والمستوطنين.

هناك في 12 مارس/آذار 2019 كانت نهاية ياسر الشويكي، وفق ما أعلنه الاحتلال الذي يحتكر المعلومة وتفاصيل الحدث، زاعما أن الشهيد حاول تنفيذ عملية طعن من دون أي دليل، وفق عائلته.

وما زالت المسنّة أم تيسير تأمل أن يرجع الجثمان المختطف، “لكي يطمئن قلبنا ويتم تكريم الجثمان بدفنه وفق الشريعة الإسلامية”.

وتحرص أم تيسير على المشاركة في فعاليات “صرخة أمهات” على أمل أن يصل صدى صوتها إلى صناع القرار في المنطقة والعالم.

وتضيف والدة ياسر في حديثها للجزيرة نت “تعرض ابننا للقتل مرتين؛ الأولى عندما أطلقوا عليه الرصاص خلال عمله، والثانية عندما اختطف جثمانه إلى مكان مجهول”.

ومع استمرار حجب المعلومة واحتجاز الجثمان، تقول والدة الشهيد “رغم مضي سنوات على قتله، لم يفارق مخيلتي، ومع استمرار احتجازه تشتعل النار في صدورنا، وما زال لهيب الثلاجة يحرقنا”.

والدا الشهيد ياسر الشويكي يحملان صورته ويأملان الإفراج عن جثمانه (الجزيرة)

خشية من سرقة الأعضاء

من جهته، يقول والد الشهيد ياسر، الحاج فوزي الشويكي، وهو من قدامى الصحفيين الفلسطينيين، إن مصير ابنه ما زال مجهولا له.

وأضاف “لم نُستدع للتعرف عليه، ولا نعرف إلى اللحظة مصيره سوى أننا أبلغنا عبر وسائل الإعلام والارتباط المدني (جهة التواصل الرسمية مع إسرائيل) بأنه استشهد، ولم يخبرونا إلى أي مكان اختطف”.

ويخشى الشويكي أن تكون سلطات الاحتلال قد سرقت بعض أعضاء جسمه لاستخدامها في طرق وأهداف غير مشروعة.

ويطالب والدا الشهيد ياسر بأن يعاد الجثمان إليهما وإلى عائلته وأطفاله، “ليحظى بجنازة تليق بإنسانيته فهو حق كفلته كل القوانين والشرائع”.

ومساندة لأمهات الشهداء، شرع الأسير سامر العيساوي منذ 17 يوما (حتى 14 نوفمبر/تشرين الثاني) في إضراب مفتوح عن الطعام، عوقب بسببه بالعزل الانفرادي.

والعيساوي من مدينة القدس وأفرج عنه ضمن صفقة وفاء الأحرار عام 2011، وسبق أن أضرب عن الطعام أكثر من 6 أشهر رفضا لاعتقاله الإداري، ثم أعيد له الحكم السابق قبل الصفقة وعمره 30 عاما.

ثلاجات ومقابر أرقام

ووفقا للحملة الوطنية لاسترداد جثامين الشهداء، تحتجز إسرائيل في ثلاجاتها جثامين 117 فلسطينيا، منذ عام 2015، إضافة إلى 256 جثمانا في مقابر الأرقام.

وقال الناطق باسم الحملة حسين شجاعية -للجزيرة نت- إن من بين الجثامين المحتجزة في الثلاجات جثماني شهيدتين و13 طفلا.

ويطلق مصطلح “مقابر الأرقام” على مقابر دفنت فيها بطريقة غير منظمة جثامين فلسطينيين وعرب قتلهم الجيش الإسرائيلي ودفنهم وفق أرقام ملفاتهم الأمنية.

وفي العقدين الأخيرين كشفت وسائل إعلام إسرائيلية عن بعض هذه المقابر في منطقة الأغوار وشمالي إسرائيل.

وبعد مداولات قضائية استمرت سنوات قادها مركز القدس، أفرجت إسرائيل عام 2012 عن عشرات الجثامين، وما زالت عشرات أخرى رهن الاحتجاز، بعضها ادّعت سلطات الاحتلال عدم توفر أي معلومات عنها.

وفي 2019، أقرّت المحكمة العليا الإسرائيلية باحتجاز الجثامين، لاستخدامها ورقة مساومة في المستقبل، ومبادلتها مع أسرى إسرائيليين تحتجزهم حركة المقاومة الإسلامية (حماس) في قطاع غزة منذ 2014.

ناشطون فلسطينيون يحملون ملصقا لـ11 شهيدا فلسطينيا يحتجز الاحتلال جثامينهم (الجزيرة نت-أرشيف)

 

مساومة وتجارب طبية

خشية الحاج فوزي الشويكي من استغلال جثمان ابنه في تجارب طبية أو الاتجار بأعضائه عبّر عنها سابقا المستوى الرسمي الفلسطيني، وتراود أغلب ذوي الشهداء المحتجزة جثامينهم.

ففي جلسة لمجلس الوزراء يوم الرابع من يوليو/تموز، قال رئيس الحكومة محمد اشتية إن سلطات الاحتلال “تزيد من آلام المفجوعين على فقد أبنائهم باحتجاز جثامينهم”.

وأضاف “تبيّن لنا أن تلك الجثامين تستخدم في مختبرات كليات الطب بالجامعات الإسرائيلية، في انتهاك صارخ لحقوق الإنسان وللقيم والمبادئ والأخلاق العلمية”، من دون أن يعطي مزيدا من التفاصيل.

وطالب اشتية الجامعات العالمية بمقاطعة الجامعات الإسرائيلية المتورطة في احتجاز الجثامين، والضغط على سلطات الاحتلال للتوقف عن انتهاكها لجثامين الشهداء.

سرقة واتّجار

وقبل ذلك أصدرت وزارة الإعلام الفلسطينية تقريرا خاصا في أبريل/نيسان عنونته صراحة بـ”جثامين الشهداء المحتجزة لدى سلطات الاحتلال بين السرقة والاتجار والإخفاء”.

واستعرضت الوزارة تقارير وتحقيقات صحفية سابقة تحدثت عن قيام إسرائيل بسرقة أعضاء الشهداء الفلسطينيين والمتاجرة بها.

وأشارت إلى كتاب “على جثثهم الميتة” للطبيبة الإسرائيلية والخبيرة في علم الإنسان مئيرا فايس، الصادر عام 2014، وقد ذكرت فيه أنها في الفترة ما بين عامي 1996 و2002 كانت في معهد أبو كبير للطب الشرعي في تل أبيب لإجراء بحث علمي، وهناك رأت كيف كانت تسرق الأعضاء، لا سيما من جثامين الفلسطينيين.

وأضافت فايس “خلال وجودي في المعهد شاهدت كيف كانوا يأخذون أعضاء من جسد فلسطيني، ولا يأخذون في المقابل من الجنود (…) كانوا يأخذون قرنيات، وجلدا، وصمامات قلبية”.

وخلصت وزارة الإعلام إلى أن مسألة احتجاز جثامين الشهداء “قضية إنسانية كما أنها ممارسة احتلالية غير أخلاقية (…) تتناقض وقواعد التعامل مع جثامين قتلى الحروب التي ينص عليها القانون الدولي الإنساني”.

ولأهمية ملف الجثامين المحتجزة، قررت الحكومة الفلسطينية عام 2008 أن يكون يوم 27 أغسطس/آب من كل عام يوما وطنيا لاسترداد جثامين الشهداء، تنظم فيه فعاليات تذكّر بقضيتهم وضرورة الإفراج عن جثامينهم.





Source link