في اليوم العالمي للمدن.. توجه سعودي لخلق بيئة عمرانية صديقة للإنسان | أسلوب حياة


في إطار حرصها على تعزيز البعد الإنساني والتعامل مع الإنسان كمحور في تخطيطها أطلقت مدن سعودية منذ سنوات عدة مشاريع تندرج تحت مفهوم “أنسنة المدن”، وذلك بهدف إنشاء بيئة عمرانية أكثر ملاءمة للحياة الصحية.

و”أنسنة المدن” مصطلح يهدف لجعل المدن أكثر ملاءمة للعيش، وتمكن المرء من الاستمتاع بحياته وتطوير إمكاناته ومزاولة حياته الفكرية والعملية والاجتماعية، وليس مجرد مكان يقيم فيه.

وتحقيق مفهوم “أنسنة المدن” يتمثل في التركيز على البعد الإنساني في تصميم الطرق والحدائق والأماكن العامة، إذ يجد الإنسان مساحات خضراء كافية وكذلك مساحات وممرات للتريض والتنزه، مع سهولة وانسياب الحركة دون عوائق، وتذليل صعاب التحرك لذوي الهمم، وكذلك مراعاة الجوانب الجمالية والفنون التي تمارس في الأماكن العامة.

وسعيا لتنفيذ هذا المفهوم، أطلقت وزارة الشؤون البلدية والقروية السعودية في العام 2018 مبادرة “أنسنة المدن” بهدف تحسين جودة الحياة في المدن وتحسين المشهد الحضري وتطبيق معايير الوصول الشامل في المرافق البلدية وممرات المشاة.

وضمن هذه المبادرة استحدثت الوزارة 20 مليون متر مربع من المتنزهات والحدائق والأماكن العامة في كافة المدن بالمملكة، لتبلغ مساحة الحدائق العامة والمتنزهات الإجمالية أكثر من 104 ملايين متر مربع.

مشاريع “أنسنة المدن”

وجاءت مبادرة “أنسنة المدن” متزامنة مع إطلاق برنامج “جودة الحياة” الحكومي في العام نفسه والرامي إلى تحسين حياة الفرد والأسرة من خلال تهيئة البيئة اللازمة لدعم واستحداث خيارات جديدة تعزز مشاركة الأشخاص في الأنشطة الثقافية والترفيهية والرياضية والسياحية والأنماط الأخرى الملائمة التي تساهم في تعزيز جودة الحياة واستحداث الوظائف وتنويع النشاط الاقتصادي.

ومن أحدث مشاريع المملكة المتعلقة بمبادرة “أنسنة المدن” ما أعلنته أمانة محافظة جدة قبل أيام عن عزمها تنفيذ 5 مشاريع لتعزيز “أنسنة المدينة” بقيمة إجمالية بلغت نحو 288 مليون ريال (77 مليون دولار) ضمن المبادرات التطورية للخدمات البلدية.

مشاريع الأنسنة الجاري تنفيذها في أنحاء مدينة جدة تشمل تطوير الواجهة البحرية بمنطقتي “أبحر الجنوبية” على امتداد 2.5 كلم ومساحة 180 ألف متر مربع، والذي سيضيف قيمة سياحية إلى جدة وسيوفر ساحات ومناطق ترفيهية وشواطئ رملية وممشى ومسطحات خضراء، بالإضافة إلى مشروعين لعدد من ممرات المشاة في جنوب وشرق وشمال المحافظة.

وفي نوفمبر/تشرين الثاني 2020 أطلقت أمانة الرياض مشروع أنسنة الأحياء السكنية لتطوير أحياء مدينة الرياض ورفع جودة المرافق، إذ تطمح الأمانة إلى مواصلة العمل على باقي الأحياء، مما يسهم في جعلها صديقة للمشاة ونابضة بالحياة.

وفي العام 2019 أطلق أمير منطقة المدينة المنورة الأمير فيصل بن سلمان مبادرة “أنسنة المدينة المنورة” نظرا لما تحمله المنطقة من مكانة تاريخية ودينية، بهدف تعزيز البعد الإنساني فيها وتحسين الأحياء القديمة.

ملامح من أعمال أنسنة حي الفلاح ضمن برنامج أنسنة الأحياء السكنية الذي تنفذه أمانة الرياض (مشاريع السعودية)

وجهات حضارية

ونجحت المبادرة في تحويل أحياء المدينة المنورة العشوائية والقديمة التي كانت تشوبها عدة تشوهات بصرية وعمرانية إلى أحياء نموذجية وتحف معمارية تحمل الكثير من مدلولات التراث المديني، وكان من أبرز هذه الأحياء “المخاليف”، و”تلعة الهبوب” وهو حي يقع جنوب شرق المدينة المنورة بجوار جبل أحد، ويبعد قرابة 3 كيلومترات عن المسجد النبوي الشريف، وتبلغ مساحته نحو 300 ألف متر مربع، ويحتضن 69 مبنى سكنيا.

أما المنطقة الشرقية -التي تعد أكبر مناطق السعودية- فكان لها نصيب من مبادرة “أنسنة المدن”، إذ تؤكد أمانة المنطقة أن مشاريع الأنسنة ستعمل على تحويل مدن المنطقة إلى وجهات حضارية مميزة وجاذبة للسكان والزوار.

وحددت أمانة المنطقة الشرقية 90 محورا ضمن خطتها لإزالة التشوهات البصرية وتعزيز “أنسنة المدن” على نطاق واسع في كل من القطيف والخبر وشرق الدمام والخفجي والظهران.

كما تؤكد أمانة المنطقة الشرقية أن مبادرة “أنسنة المدن” تساهم في تحقيق هدف الارتقاء بجودة الخدمات المقدمة في المدن عن طريق توفير بيئة صحية مستدامة وتحسين صحة ورفاهية السكان وتعزيز العلاقات الجيدة داخل المجتمع وتعزيز البعد الإنساني وتقوية الروابط الاجتماعية عن طريق إنشاء وتطوير الحدائق والساحات وممرات المشاة والملاعب والمسطحات الخضراء.

مبان خانقة

بدوره، يقول المطور العقاري المهندس عبد الله العثمان إن التوجه القائم حاليا في المملكة والعديد من الدول هو مراعاة البعد الإنساني أثناء التخطيط للمدن والمرافق العامة من طرق ومنشآت بحيث تعزز وتراعي الإنسان في المقام الأول ويكون محور اهتمامها، سواء قبل إنشاء المدن أو محاولة التعديل على الموجود حاليا والذي تم بناؤه وفقا لطرازات قديمة.

وأضاف العثمان -في تصريح للجزيرة نت- أنه باعتباره مطورا عقاريا يحرص عند إسناد المشاريع إليه النظر للاحتياجات الإنسانية عند تصميم المرافق العامة والطرق والمتنفسات الطبيعية مثل الحدائق والأماكن العامة، والبعد عن التشوه البصري الذي يملأ عددا من المدن.

وأوضح أن المملكة تطمح إلى أن تصبح مدنها مكانا أفضل لحياة الإنسان ورفاهيته من خلال بساطتها وانسيابيتها، لا تغلب عليها المشاريع الإسمنتية ولا تتجاهل الأبعاد الإنسانية.

كما أعرب العثمان عن أمله في أن تسود مبادرة “أنسنة المدن” جميع المناطق والمدن داخل السعودية من أجل استعادة البعد الاجتماعي وأن يتغلب السكان على أمراض العصر التي أصابتهم جراء “حصارهم” في مبان خانقة لا تسمح لهم بحرية الحركة، بل جعلت منهم أسرى لأنظمة تخطيط وضعت لتخدم السيارة أولا وليس الإنسان، متطلعا إلى أن يساهم المطورون العقاريون في مختلف أنحاء المملكة عبر أساليب إبداعية في جعل المدن صديقة للإنسان بتوفيرها مقومات الحياة المستدامة الآن وفي المستقبل.





Source link