في ذكرى إجراءات البرهان.. ما فرص نجاح التسوية بين العسكر وقوى الحرية والتغيير في السودان؟ | سياسة


الخرطوم- يستقبل السودانيون الذكرى الأولى للإجراءات التي اتخذها قائد الجيش عبد الفتاح البرهان في 25 أكتوبر/تشرين الأول 2021، وسط أجواء مشحونة بحزمة من التباينات بين الأطراف السياسية وشارع مشتعل باحتجاجات عاصفة لم تهدأ طوال عام كامل وكانت حصيلتها أكثر من 100 قتيل مع آلاف الجرحى وعدد من المفقودين.

وبالتزامن مع ذكرى هذه الإجراءات التي أطاحت بالحكومة المدنية، تحت ذريعة الحاجة لإجراء إصلاحات في الحكم، برزت إرهاصات بقرب التوصل إلى تسوية تضمن ابتعاد العسكر عن السلطة وتسليمها بالكامل لقيادة مدنية، لكن تلك الخطوة تلقى معارضة واسعة من جهات عديدة يرفض بعضها مبدأ التفاوض مع العسكريين، بينما يطالب آخرون بضمان ما يسمونه بـ”محاسبة قادة الانقلاب على الأرواح التي أزهقت خلال الاحتجاجات المتصلة”، وهو ما يُعقّد فرص نجاح هذه التفاهمات، ولا سيما بعد تأكيدات سابقة للبرهان ونائبه لمحمد حمدان دقلو (حميدتي) بأنهم لن يسلموا السلطة إلا لحكومة منتخبة.

ومع ذلك، كان حميدتي وهو قائد قوات الدعم السريع أول من مهّد للقبول بالتسوية مع ائتلاف قوى “الحرية والتغيير-المجلس المركزي” (التحالف الحاكم السابق الذي عزل حكومته قائد الجيش قبل عام) حين أعلن في خطوة غير متوقعة الترحيب بمسودة الدستور الانتقالي التي عكفت عليها نقابة المحامين المحسوبة على ائتلاف الحرية والتغيير، وحظيت بتأييد سياسي محلي ومساندة دولية واسعة.

ملامح المسودة

وتعترف المسودة -التي قبل بها العسكر أساسا للحل السياسي- بالجيش والشرطة وجهاز المخابرات العامة كقوات نظامية، وحددت مهام الجيش في حماية أراضي البلاد وحدودها وسيادتها، واتخاذ عقيدة عسكرية تلتزم بالنظام الدستوري وتقر بالحكومة المدنية الديمقراطية أساسا للحكم.

كما حظرت تشكيل مليشيات عسكرية أو شبه عسكرية، ومنعت الأعمال الاستثمارية والتجارية للجيش باستثناء المتعلقة بالتصنيع الحربي والمهمات العسكرية.

وتناول مشروع الدستور تشكيل مجلس الوزراء من 25 وزيرا بالتساوي بين الجنسين، ومنح رئيس الوزراء سلطات تعيين الوزراء وحكام الأقاليم وولاة الولايات، فضلا عن تعيين وإعفاء قادة الخدمة المدنية والشرطية وجهاز المخابرات العامة، مع الإشراف على الشؤون الأمنية والدفاعية والبنك المركزي ورئاسة مجلس الأمن والدفاع، وذلك من بين صلاحيات أخرى تشمل إعلان الحرب.

واشترط الدستور الانتقالي كذلك التوصل إلى اتفاق سياسي لتشكيل هياكل الدولة المدنية، ومنح القوى التي ستوقع على الاتفاق سلطات اختيار أعضاء مجالس السيادة والوزراء والتشريعي، إضافة إلى حكام الأقاليم وولاة الولايات ورئيس القضاء ونوابه ورئيس المحكمة الدستورية وأعضائها.

 

 

سند دولي

وحسب قيادي في قوى “الحرية والتغيير-المجلس المركزي” تحدث للجزيرة نت، فإن المكون العسكري شجّع قادة الائتلاف على استئناف المفاوضات بعد إعلانه القبول بمسودة الدستور.

وأضاف “بناء على ذلك، جرت مشاورات غير رسمية بين الطرفين حول الإعلان الدستوري، طرح فيها الطرفان ملاحظاتهما حول المشروع الدستوري”. وأشار إلى أن تحالف الحرية والتغيير ظل متمسكا برؤيته التي طرحها في وقت سابق بشأن ضرورة “إنهاء الانقلاب، وخروج العسكر من المشهد السياسي، وقيام هياكل حكم مدني على مختلف المستويات (السيادية والتنفيذية والتشريعية)، على أن تشارك جميع القوى السياسية الفاعلة في تكوين هذه الهياكل”.

وتجد هذه المسودة سندا من الأمم المتحدة والاتحادين الأفريقي والأوروبي؛ فقد أكد رئيس البعثة الأممية لدعم الانتقال في السودان فولكر بيرتس أن الجهات السياسية الفاعلة بدأت بالالتحام حول مسودة الدستور الانتقالي.

وأضاف بيرتس -في مقال نُشر الأسبوع الماضي- أن هذا التحالف الواسع يعمل الآن على توسيع الإجماع حول المسودة، ومعالجة القضايا المتبقية، وصياغة إعلان سياسي يُمهد للمفاوضات مع الجيش.

وأكد بيرتس استعداد البعثة والاتحاد الأفريقي ومنظمة “إيقاد” (الهيئة الحكومية للتنمية، وهي منظمة شبه إقليمية في أفريقيا) لدعم العسكريين والمدنيين للتوصل إلى اتفاق لبدء فترة انتقال أكثر استدامة مع حكومة مدنية ذات مصداقية.

موجة رفض

ومن وجهة نظر القيادي بالحرية والتغيير شهاب الطيب، فإن “المكون العسكري مطالب بتقديم مزيد من التنازلات لأنه السبب في تأزم الأوضاع السياسية”.

وأضاف -في حديثه للجزيرة نت- أن “أفق الحل يبدو قويا من خلال الضغط الجماهيري، وتماسك الجبهة المقاومة للانقلاب، وإمكانية التنسيق بينها، فضلا عن الضغوط الدولية والإقليمية، خصوصا مع مسودة الإعلان الدستوري التي قدمتها اللجنة التسييرية لنقابة المحامين، وباتت أساسا مقبولا للحل”.

لكن القوى السياسية المكونة لتحالف الحرية والتغيير انقسمت في بادئ الأمر حيال القبول بالتسوية مع قادة الجيش؛ إذ أعلن حزب البعث العربي الاشتراكي رفضه لأي عملية سياسية تُبقي على العسكر في المشهد.

وقال المتحدث باسمه عادل خلف الله -في تغريدة على تويتر- “إن التسوية مشروع لإنقاذ السلطة الانقلابية من السقوط وتمطيط لأمدها، بما يتناقض مع تطلعات الشعب ومعاناته وتضحياته”. ودعا خلف الله إلى إسقاط التسوية عبر أوسع جبهة شعبية.

كذلك أعلنت “الحركة الشعبية-التيار الثوري” برئاسة ياسر عرمان أنها ليست طرفا في أي تسوية سياسية، وأكدت أن “طبيعة الانقلاب الحالي ومجموعات المصالح داخله وارتباطاتها الداخلية والخارجية والتناقضات بينها ومؤامرات الفلول تُصعّب الوصول إلى عملية سياسية ذات مصداقية”.

وبعد اجتماعات مطولة بين قوى الائتلاف، تم الإعلان عن تجاوز خلافات مكوناته حيال التعامل مع التسوية، والتوافق حول مطالب الشارع وحشده لمحاصرة الانقلاب من خلال تشجيع مواكب 21 و25 أكتوبر/تشرين الأول، مع ترك الباب مواربا أمام التفاهمات مع العسكر بما يحقق رؤية الائتلاف.

أما الحزب الشيوعي الذي يرفض مبدأ الجلوس مع العسكر منذ 2019 وسبق أن انسحب من قوى الحرية والتغيير فينظر إلى التفاهمات المرتقبة بين الجيش والحرية والتغيير على أنها “محاولة للرجوع إلى ما قبل 25 أكتوبر/تشرين الأول 2021 وتجريب المجرب الذي أثبت الفشل على مدى 3 سنوات”.

ويؤكد المتحدث باسم الحزب فتحي فضل -للجزيرة نت- أن “التسوية السياسية التي تقف وراءها أميركا تصطدم بمعارضة واسعة من رافضي الهيمنة وطارحي الحكم المدني الساعي لفك التبعية وإعادة السيادة الوطنية، ومن ثم لا تقدم حلا للأزمة في الوقت الراهن”، ويشير إلى أن قوى الحرية والتغيير ستصطدم برفض واسع للتقارب والعودة للشراكة مجددا مع العسكر.

محصلة صفرية

وتتحدث تقارير صحفية عن توافق قادة الجيش وقوى الحرية والتغيير على مسودة اتفاق حول نقاط جوهرية بينها تحديد عامين لفترة الانتقال، وعدم ملاحقة العسكر جنائيا، لكن التحالف الحاكم السابق نفى -في بيان- التوصل إلى تفاهمات.

وتثير أنباء الاتفاق والتسوية بين الحرية والتغيير وقادة الجيش حفيظة قوى التوافق الوطني -تضم قوى سياسية وحركات مسلحة- التي سبق وأيدت إجراءات البرهان تحت ذريعة الحاجة للحفاظ على اتفاق السلام الموقع في جوبا بين الحكومة الانتقالية وحركات قاتلت النظام السابق في كل من دارفور والنيل الأزرق وجنوب كردفان.

ويقول القيادي في التحالف نور الدائم طه -للجزيرة نت- إن التفاهمات الثنائية الجارية ستؤدي إلى تكوين حكومة ضعيفة لا تحظى بإجماع الكافة لتكون المحصلة صفرية، وفق تعبيره.

ويؤكد أن قوى التوافق الوطني لم تكن جزءا من أي تسوية ثنائية، حاثا المكون العسكري والمجتمع الدولي على الوقوف على مسافة واحدة من مكونات الفترة الانتقالية، وتسريع تشكيل حكومة مدنية تكون محل توافق بين كل الأطراف.

 

 

لا للتسوية

وفضلا عن الرفض الواسع الذي تبديه واجهات سياسية للتقارب بين العسكر وائتلاف الحرية والتغيير، حسمت لجان المقاومة -التي تدير احتجاجات الشارع- أمرها وأعلنت معارضتها للتسوية وتصعيد الاحتجاجات الميدانية لإسقاط ما تصفه بـ”الانقلاب”.

وتحت شعار “لا للتسوية”، خرجت الجمعة الماضية مظاهرات في نحو 17 مدينة سودانية لإحياء ذكرى ثورة 21 أكتوبر/تشرين الأول 1964 حين أطاحت ثورة شعبية بأول حكم عسكري تزعمه وقتئذ الفريق إبراهيم عبود.

وعلى المنوال ذاته، تتداعى قوى سياسية ولجان المقاومة للخروج في مواكب حاشدة في ذكرى إجراءات قائد الجيش على ائتلاف الحرية والتغيير الذي وجد نفسه -بعد عام- مضطرا إلى الحديث عن تسوية وتفاهمات مع العسكر، ناكصا عن شعاراته التي رفعها في وقت سابق فيما عُرف باللاءات الثلاثة “لا تفاوض، لا شراكة، لا شرعية”.





Source link