قصص من رحم الواقع.. شهادات صادمة عن الإسلاموفوبيا في مدارس فرنسا | أخبار


تروي الأستاذة الفرنسية السابقة نشاندا (اسم مستعار) أنها عانت من الإسلاموفوبيا والعنصرية في مدراس فرنسا، قائلة إنها تخلت عن مهنة التدريس التي تحبها تحت ضغط الإدارة وتنمر زملائها، وذلك بعد إعلان إسلامها وارتدائها الحجاب.

وحسب روايتها للجزيرة نت، تسبب تواتر هذا السلوك العنصري نحوها والتضييقات في دخولها حالة اكتئاب شديدة، قبل أن تتخلى عن التدريس وتنشئ مشروعها الخاص.

وتضيف نشاندا ذات الأصول النيجيرية “كانت الأمور تسير على ما يرام في المعهد الذي أدرّس فيه حتى قررت الالتزام بارتداء الحجاب، فتغيرت نظرة الإدارة لي وسلوكها نحوي، وتغيرت معاملة أغلب زملائي لي بعدما علموا بالتزامي الديني ولاحظوا حرصي على ارتداء الحجاب خارج المدرسة”.

وتضيف المدرّسة الأربعينية “أصبح المدير يقتحم علي قاعة التدريس بشكل مفاجئ بتعليلات واهية، وأحيانا أخرى يرسل من يراقبني من بعيد، وفي الاجتماعات الدورية كان يلمح ويصرح بأن مناهج التعليم في فرنسا مناهج علمانية بحتة، وإدارة المعهد لا تتسامح أبدا مع أي أستاذ يحاول التأثير على التلاميذ بأفكاره الدينية المتطرفة أو بلباسه الإسلامي وسلوكه”.

هجوم الإسلاموفوبيا

وليست نشاندا حالة معزولة بعينها في المجتمع الفرنسي، وإنما هي عينة من نسبة 60% من النساء المسلمات المحجبات اللاتي تعرضن للتمييز والعنصرية في فرنسا، وفق دراسة لمعهد “إيفوب” (IFOP) للإحصاء حول أعمال التمييز والعنصرية التي يتعرض لها مسلمو فرنسا بسبب دينهم، وأجريت لصالح مؤسسة “جان جوريس” ونشرت في أغسطس/آب 2019.

وفي السياق نفسه، كشف تحقيق فرنسي أجراه موقع “ثورة دائمة” ونشر الأسبوع الماضي تواتر التضييقات على طلاب الثانويات الفرنسية من أصول إسلامية في ظل “انتشار الإسلاموفوبيا والعنصرية” داخل المدارس، تزامنا مع الحملة التي يشنها اليمين المتطرف ضد ما يسميه انتشار مظاهر الإسلام داخل الوسط التربوي.

وأشار التحقيق إلى أنه منذ بداية العام الدراسي واصل وزير التربية الوطنية باب ندياي “هجوم الإسلاموفوبيا” الذي شنه سلفه جان ميشيل بلانكير، مضيفا أن الوزير تبنى سياسة الحكومة التي “تستهدف الطلاب المسلمين في المدارس”.

قوانين معادية للإسلام

ويحظر قانون عام 2004 ارتداء ما يعتبرها رموزا دينية داخل المدارس الثانوية العامة الفرنسية، مثل الحجاب.

ولاحظ التحقيق نفسه أنه ضمن هذا الإطار القانوني تضيف الحكومة وباب ندياي إلى القائمة الطويلة من الملابس التي من شأنها أن تشير إلى الدين الإسلامي “العباءات والقميص، وحتى في بعض الحالات العصائب”.

ويُترك توصيف هذه الملابس والأزياء على أنها “تنتمي للإسلام” إلى “تقدير” مديري المؤسسة الذين يقررون “على أساس معايير ذاتية وتعسفية تماما الطابع الديني للزي أو لا”، وفق تعبير الكاتبة التي قامت بالتحقيق.

وحسب التحقيق، فإن التقدير الحر لمديري المدارس يؤدي إلى “سيطرة حقيقية على الملابس ومضايقة الطلاب الذين يُنظر إليهم على أنهم مسلمون”.

ولتنفيذ هذه التوجيهات يطبق المديرون “ما يشبه إلى حد ما التنميط العنصري أو المعادي للإسلام”، ويذهبون إلى حد استجواب الطلاب -الذين يفترض أنهم مسلمون- بشأن معتقداتهم الدينية.

وفي مقابلة مع صحيفة “لوموند” (Le Monde) في أكتوبر/تشرين الأول الماضي استحضر وزير التربية باب ندياي الرموز الدينية التي يجب أن يفسرها رؤساء المؤسسات، ودعاهم إلى أن يكونوا “حازمين” في تطبيق قانون 2004.

وخلص تحقيق منصة “ثورة دائمة” إلى أنه من الضروري أكثر من أي وقت مضى أن يطالب العاملون في مجال التعليم الوطني -جنبا إلى جنب مع الطلاب- بـ”إلغاء القوانين المعادية للإسلام” التي تسعى إلى “تحميل المسلمات والمسلمات المسؤولية عن تدهور المدارس الفرنسية”.

كما دعا التحقيق إلى ضرورة إدانة “التنميط العنصري” و”دولة الإسلاموفوبيا” التي تهدف إلى “قمع الشابات المسلمات والشباب الذين يتعرضون للعنصرية”، وفق التحقيق.

وأكد في النهاية أن “كل هذه القوانين القاتلة للحريات هي في الواقع مجرد تعبير عن عنصرية الدولة الفرنسية”.

هجمات على العلمانية

في المقابل، أوضح وزير التربية باب ندياي في مقابلة مع صحيفة “لوموند” (Le Monde) نشرت في أكتوبر/تشرين الأول الماضي أن هناك بالفعل موجة من ارتداء الملابس التي يمكن اعتبارها دينية.

وأكد ندياي أن أرقام الهجمات على العلمانية في المدارس الفرنسية آخذة في الازدياد، وهي ظاهرة تنتقل بشكل خاص عبر الشبكات الاجتماعية كما يؤكد.

وكشف الوزير أنه بالنسبة لسبتمبر/أيلول الماضي هناك 313 هجوما على مبادئ العلمانية، وفي الربع الأخير من العام السابق من أبريل/نيسان إلى يوليو/تموز تم الإبلاغ عن 909 حالات مقارنة بـ635 حالة بين ديسمبر/كانون الأول ومارس/آذار.

وفي سبتمبر/أيلول الماضي أكد الوزير تزايد الاعتداءات على مبدأ العلمانية، مشيرا إلى أن 51% منها تجري في المدارس الثانوية، فيما في السابق كانت الجامعات هي الأكثر عرضة، وتتعلق أغلبية هذه التقارير بارتداء الرموز والملابس الدينية، مثل “العباءات التي يبدو أنها تزداد”، على حد قوله.

في المقابل، ذكرت وزيرة الدولة الفرنسية لشؤون المواطنة سونيا باكيس في أكتوبر/تشرين الأول الماضي أن الأزياء التي تحمل رمزا دينيا مثل “العباءة” ممنوعة في المدارس العامة، مشيرة إلى أن من يرتدونها “يفعلون ذلك للاستفزاز”.

وقالت باكيس إن “علينا أن نكون براغماتيين”، وتساءلت “هل يلبس من ليس من ديانة المسلمين العباءة؟ الجواب لا، لذلك لا مكان للرموز الدينية في المدرسة”.

أرقام مفزعة

وأظهرت أرقام نفس الاستطلاع لمعهد “إيفوب” عام 2019 أن أعمال التمييز والاعتداءات ضد المسلمين في فرنسا تتزايد بشكل يومي مقارنة بأصحاب الديانات الأخرى.

وكشف الاستطلاع أن 40% من العينة كانوا ضحايا لسلوك عنصري، وأن 48% تعرضوا لشكل من أشكال التمييز خلال عملية التعليم في المدارس، وأن 13% أكدوا تعرضهم للتمييز من قبل الشرطة عند التحقيق معهم، و17% تعرضوا للمعاملة نفسها عند البحث عن عمل، و14% تعرضوا للعنصرية والتمييز عند بحثهم عن مسكن.

من جهة أخرى، بيّن الاستطلاع أن النساء أكثر عرضة للتمييز والعنصرية من الرجال، حيث نجد أن نسبة النساء بلغت 46% في مقابل 38% من الرجال، علاوة على أن أعمال التمييز ضد النساء المحجبات بلغت نسبة 60% مقارنة بالمسلمات غير المحجبات، إذ بلغت نسبتهن 44%، ولا سيما خلال رحلة البحث عن وظيفة.

كما أشارت نتائج الاستطلاع إلى تعرض 37% من النساء المحجبات للشتائم والإهانات اللفظية والتشهير، وفي ما يتعلق بالحياة المهنية أوضح الاستطلاع أن 63% من المديرين التنفيذيين المسلمين يعانون من العنصرية مقابل 34% من العمال.

تراجع التعليم الفرنسي

بدوره، أوضح أستاذ الرياضيات في مدرسة “لاكورناف” خالد (اسم مستعار) أن ظاهرة العنصرية والإسلاموفوبيا ليست بالجديدة، وقد بدأت تبرز منذ نهاية حكم الرئيس جاك شيراك ولكنها تعمقت كثيرا منذ حكم ساركوزي وقد كانت في الشارع فقط، ولكنها في العشرية الأخيرة دخلت المدارس والمعاهد الثانوية.

وأضاف للجزيرة نت أن “التركيز على قضية اللباس الديني ومبادئ العلمانية، والتضييق على التلميذات المسلمات قضية مغلوطة بالأساس، واليوم كأستاذ رياضيات منذ 22 عاما في المدارس الفرنسية ألاحظ تأخر وتراجع قيمة التعليم الفرنسي في السنوات الأخيرة مقارنة بما مضى، فلو نأخذ ترتيب فرنسا في الاختبار والمسابقة العالمية للرياضيات نجد أنها تأخرت كثيرا، فبعد أن كانت منذ سنوات تحتل المراتب الـ10 الأولى اليوم هي في المرتبة الـ30 تقريبا”.

وخلص الأستاذ الخمسيني ذو الأصول التونسية إلى أن السعي لإخفاء القضايا الأساسية والمشاكل الجوهرية للتعليم في فرنسا -مثل نقص المعلمين في أول السنة الدراسية وانخفاض الأجور- وصرف الأنظار عنها إلى قضايا أخرى جانبية كاللباس الديني والمحافظة على العلمانية هما محاولة من الوزارة والحكومة من أجل شد انتباه الإعلام وإحداث ضجيج و”بروباغندا” تغطي على المشاكل الحقيقية الجوهرية في قطاع التعليم.

وفي هذا الصدد، كشفت دراسة أجراها معهد إيفوب في مارس/آذار 2021 أن 52% من طلاب المدارس الثانوية يؤيدون ارتداء الرموز الدينية في المدارس الثانوية، وأن 43% منهم يعتبرون قوانين العلمانية تمييزية ضد دين واحد على الأقل.

قصص صادمة

ويستحضر الأستاذ خالد حادثة وقعت لأحد تلامذته وبقيت راسخة في ذهنه منذ 10 سنوات، إذ سأل أستاذ الفرنسية التلميذ محمد ذا الأصول الجزائرية: ماذا تريد أن تصبح عندما تكمل تعليمك؟ وأي الاختصاصات ستختار؟ فأجابه الطفل ذو الـ12 عاما تلقائيا: أريد أن أختص في الكيمياء وأصبح عالم كيمياء، فما كان من الأستاذ الفرنسي إلا أن قال له بلهجة عنصرية “تريد أن تختص في الكيمياء حتى تصنع القنابل في المستقبل”.

ويواصل أستاذ الرياضيات حديثه قائلا “تحت هول الصدمة من الإجابة العنصرية جاءني التلميذ الصغير بعد يومين وقص لي الحكاية وهو لا يكاد يستوعب ما قاله له أستاذه، فحاولت إقناعه بأن أستاذه كان فقط يمزح معه”.

وفي واقعة أخرى، أوضح الأستاذ خالد أن مدير المعهد الذي كان يدرّس فيه في فترة سابقة طلب منه أن يكتب تقريرا في تلميذه الفرنسي من أصول جزائرية حتى يتم توجيهه إلى نظام الـ”سيغبا” “SEGPA”، وهو نظام تعليم مواز يعتني بالتلاميذ الذين يواجهون مشاكل في النطق والحفظ والفهم، حسب أستاذ الرياضيات.

ويواصل قائلا “لكنني رفضت طلب المدير لأنني أعرف قدرات التلميذ وتميزه، ولكنه فقط تلميذ حيوي وكثير الحركة والسؤال، وقد أراد المدير تحت ضغط بقية الزملاء التخلص منه، والغريب أن هذا التلميذ احتل المرتبة الأولى في فصله منذ الثلاثي الأول، وهو ما أظهر في الأخير عنصرية الزملاء والمدير تجاهه فقط لأنه فرنسي من أصول جزائرية، ولو كان هذا التلميذ فرنسيا أبا عن جد لما تصرفوا معه هكذا”.



Source link