لمحات من حياة الإمام القرضاوي | آراء


الجميع متوضئون ينتظرون الغروب ليُصَلوا المغرب في هذا المكان المغلق. لقد سمح لهم أن يصلوا جماعة لأول مرة. سبعة أصغرهم ابن الثالثة والعشرين، في مكان ضيق مغلق عليهم، لا يفتح إلا في الثالثة صباحا لقضاء الحاجة، ثم العودة، اللهم إلا إذا نودي على أي منهم أثناء الليل بأصوات عالية، تتبعها ألفاظ نابية، ويفتحون ليأخذوه إلى المجزرة، ويغلقون، ولا يسمع بعدها إلا ألفاظ بذيئة مقابل أنين وابتهال وألم.

فجأة: الله أكبر الله أكبر، الله أكبر الله أكبر، أشهد أن لا إله إلا الله، أشهد أن لا إله إلا الله، أشهد أن محمدًا رسول الله، أشهد أن محمدًا رسول الله، حي على الصلاة، حي على الصلاة، حي على الفلاح، حي على الفلاح، الله أكبر الله أكبر، لا إله إلا الله.

فتحت كل الأبواب، خرج كل مَن كان خلف الأبواب إلى خارجها، ولا يعرفون ولا يفهمون شيئًا. الكل يهرول من كل الطوابق إلى الفناء، اصطف الجميع خلف إمام في الثامنة والعشرين من عمره، صوته القوي الروحاني يتجاوز قدره أي إنسان في هذا المكان أن يتملك عواطفه، وكان أعلى من البكاء والدعاء، الذي لم يجد بينه وبين الله حجابًا.

ومضة، وعاد الجميع، وأغلقت عليهم الأبواب كالمعتاد، وبدأ كل مَن خلفها يردد وِرد الرابطة.. “اللهم إنك تعلم أن هذه القلوب قد اجتمعت على محبتك، والتقت على طاعتك، وتوحدت على دعوتك، وتعاهدت على نصرة شريعتك، فوثِّق اللهم رابطتها، وأَدِم ودَّها، واهدها سبلها، واملأها بنورك الذي لا يخبو، واشرح صدورها بفيض الإيمان بك، وجميل التوكل عليك، وأحيها بمعرفتك، وأمِتها علي الشهادة في سبيلك، إنك نعم المولى ونعم النصير”.

هكذا كان أول لقاء لي وأنا ابن الثالثة والعشرين، بالإمام الذي أمَّ هذه الصلاة يوسف القرضاوي ابن الثامنة والعشرين، في (السجن الحربي) بصحراء العباسية، في القاهرة أوائل عام 1956.

إنها المرة الوحيدة التي سُمح لنا أن نصليها معًا، ولم يسمح لنا أن نكررها، إن هذه الصلاة نفخت الروح في الجماعة، فكأنما قامت من جديد، وفاضت المدامع، وسمعت المواعظ، وكبر المكبّرون، وقرروا بعدها: أن لا تكون جماعة، وفقدت الصلة بهذا الإمام المحبوب، الذي ألّف بين هذه القلوب.

إن الإمام القرضاوي ينظر للأشياء بعين الفكر، ويتعمق فيها بآفاق العقل، ويقلبها بحكمة، بحثًا عن الآراء الشرعية ليصدر الفتوى، ولا يعتبرها أبدية أو مطلقة؛ بل وقتية حسب الزمان والمكان والحدث

سنوات معدودة هاجر بعدها كل منا إلى مكان مختلف، فقد ذهب هو إلى الشرق، وذهبت أنا إلى الغرب. وباعدت الحياة بين أماكن إقامة وعمل كل منا في مهجره، وظللنا محاطين بنعمة الأخوة، ومستشعرين معنى: “الأرواح جنود مجندة، ما تعارف منها ائتلف”. وأنعم الله عليَّ، بما أوجب عليَّ أن أحدد ما فرض عليَّ من الزكاة، فعشت في أحد أهم موسوعاته في ذلك الوقت، وهو (فقه الزكاة).

وغرقت في بحور كتبه وأبحاثه، وتابعته في حِلِّه وسفره، ولجأت إليه مرات عديدة ليوجِّه التزامي الشرعي فيما مارسته من أعمالي، في التجارة الدولية والصناعة والبنوك.

فهل أستطيع رغم ذلك أن أتحدث إلا عن بعض ومضات من فكره وعلمه، وما تعلمته من متابعتي له، واختلاطي به؟

عالم متواضع ساكن، إلا أن تثار فيه الغيرة على الدين، فيصعب تهدئته، وكان يشجِّع تلامذته، ويتواضع لهم، أذكر أننا كنا في اجتماع عمل، وفيه اثنان من تلامذته، وكل منهما دكتور في الشريعة، وعندما عرضتُ موضوعا طالبًا للفتوى، تسرع أحدهما ليستعرض علمه، والآخر المختص هادئ ساكت، فقال الإمام القرضاوي: إني أحب أن أسمع رأي الدكتور (ع) الصامت، فهو شيخي في هذا الأمر.

كان الإمام القرضاوي ينظر للأشياء بعين الفكر، ويتعمق فيها بآفاق العقل، ويقلبها بحكمة، بحثًا عن الآراء الشرعية ليصدر الفتوى، ولا يعتبرها أبدية أو مطلقة؛ بل وقتية حسب الزمان والمكان والحدث. بل وحتى الإنسان، فإن تغيَّر أي منهم غيَّرها إن عُرضت عليه مرة أخرى بمتغيراتها.

إن أمة محمد المتجددة ليست أمية لا تقرأ، ولا تحتاج لشيوخ أو فقهاء يقرؤون عليها ما كتبه علماء وفقهاء سابقون، إنها تحتاج لعلماء يبدعون ويزيدون، ويستخرجون من كنوز الشريعة ما لم يستخرج، لا أن يكرروا عرض ما لا يتناسب أسلوب عرضه مع الأزمان المتتالية. وكما قال الرافعي: إن لم نزد على العالم، فنحن زيادة عليه لا لزوم لنا.

ولقد زاد الإمام القرضاوي على العالم الإسلامي، ولم يكن زيادة عليه. لقد مزج بين العقل والفقه، ليستنبط المجهول من المعلوم. وعندما أسمع له أجده يتابع الأفكار والتفاصيل للوصول إلى الاقتناع والإقناع، وأنقذ فقهُه الإسلام من المفاهيم والمسميات الخاطئة التي نُعت بها، أو أُدخلت عليه في عصره، فمثلا تعبير (الإسلام السياسي) رفضه في كتابه (من فقه الدولة في الإسلام)، وقال: إنها تسمية مرفوضة.

الإسلام دين، والسياسة آلة من الآلات التي ابتدعها البشر، ليسوسوا حياتهم الاقتصادية أو التعليمية أو الإدارية أو الاجتماعية، إلخ. أما الإسلام فهو دين وليس آلة أو وسيلة، جاء ليحقق العدالة بين البشر، والعبادة للخالق. ولتحقيق ذلك له أن يستعمل السياسة وغيرها من الآلات والوسائل، ولا ينسب الإسلام لها، أو ينسبها إلى الإسلام، فالسياسة ليست عدالة، ولكن الإسلام دين يؤسس للعدالة بين الإنسان والإنسان، وبينه وبين باقي المخلوقات.

لقد ذكّرنا الإمام القرضاوي بأن القاضي الذي يقضي على جهل في النار، وهو كالذي عرف الحق وقضى بغيره، كما قال الرسول عليه السلام.

أوضح الإمام القرضاوي أنه مع المطالبين بالديمقراطية؛ بوصفها الوسيلة الميسرة والمنضبطة، لتحقيق هدفنا في الحياة الكريمة، التي نستطيع فيها أن ندعو إلى الله وإلى الإسلام كما نؤمن، دون أن يُزَج بنا في ظلمات المعتقلات، أو تنصب لنا أعواد المشانق، كما أنها تحقق لشعوبنا كذلك حياة الحرية والكرامة، وحقها في اختيار حكامها ومحاسبتهم وتغيرهم إن انحرفوا، دون حاجة إلى انقلابات أو اغتيالات.

وقال الإمام القرضاوي: “إن الشورى لا معنى لها، إذا كان الحاكم يستشير ثم يفعل ما يحلو له، وما تزينه له بطانته، ضاربًا برأي أهل الشورى عُرض الحائط، ولذلك فالشورى مُلزمة وليست مُعْلمة”.

وعن ولاية المرأة، وتعابير الولاية العظمى والصغرى، فهمت منه أن فيها نظرًا، فالديمقراطية ليس فيها ولاية عظمى، ورئيس الدولة ليست له ولاية مطلقة (أي عظمى)، أو حتى ولاية، ولو كانت قيادة مقيدة، فهناك برلمان يمكن أن يعزله، وهناك قضاء يمكن أن يسجنه، وبذلك لا يمكن اعتبار رئاسة الدولة الديمقراطية، التي تتولى أمر المسلمين ولاية عظمى أو مطلقة، بالوضع الذي اعتاد عليه الفرس والرومان، بناء على دواعي الحديث عندما بلغ الرسول صلوات الله عليه، أن بوران بنت كسرى، إمبراطور فارس خلفته في منصبه، حيث كان الإمبراطور صاحب ولاية توجب الطاعة، ولا يعارض ولا يحاسب، ولا قيود عليه، ولم نسمع أو نقرأ لمن حرَّم ولاية المرأة إلا هذا الحديث، الذي حُمِّل أكثر من الواقع.

وأثبت الإمام القرضاوي أن الأحزاب إنما هي مذاهب في السياسة، كما أن المذاهب هي أحزاب في الفقه، وأنه هو وجماعة الإخوان المسلمين لم يتجمدوا على رأي مؤسسهم، رضي الله عنه، بخصوص الأحزاب رغم ما يُكِنّون له من تقدير، ولكن الزمن تغيَّر فتغيَّرت المواقف، وتغيرت الفتوى، ولو رأى الإمام البنا ما رأيناه، من طغيان الحزب الواحد على سائر قوى الشعب، وبطشه بمخالفيه، لغيَّر رأيه واجتهاده كما غيَّرناه.

إن مَن تعلَّم في مدرسة الإمام القرضاوي، تعلَّم أن يضيف إلى البناء أبنية، ولا ينشغل بإصلاح حائط فيه أصابه خلل ما

وأنا أرى أنه حان الوقت لنغيِّر ونضيف من وعلى شعاراتنا القديمة، فالسيفان أو الخنجران، وفوقهما المصحف، وتحتهما (وأعدوا) يجب تغييرها، وهذا مجرد اقتراح قابل للبحث، أقترح (الميزان) رمز العدالة، وفوقه المصحف الذي دعا إليها، وبدل “الموت في سبيل الله أسمى أمانينا”، يصبح “الحياة والموت في سبيل الله أسمى أمانينا”، كما قال الشيخ الغزالي. وبدل “الجهاد سبيلنا”، يصبح “جهاد النفس سلاحنا”، حتى لا نصنَّف مع العصابات التي تقتل وتخرِّب باسم الدين، ولا تراعي حدوده، وتطلق على أعمالها: (الجهاد في سبيل الله).

لقد حرص الإمام القرضاوي على تشخيص أمراض الأمة تشخيصًا عقائديًّا، وكان خصمًا عنيدًا لمغتالي القواعد الخلقية والإنسانية في البلاد الإسلامية.

كنتُ كلما قابلته، أو قرأتُ له، أو سمعت منه، أغوص في بعض مراجعه التي ذكرها، أو ذكر فيها الموضوع الذي عالجه، فقد اعتاد أن يذكر المرجع في نفس الصفحة، وليس في نهاية الكتاب. من هذه المراجع: تفسير الطبري، والسياسة الشرعية لابن تيمية، والجامع الصحيح للترمذي، والملل والنحل للشهرستاني، والطبقات الكبرى لابن سعد، والدر المنثور للسيوطي، وأسد الغابة في معرفة الصحابة لابن الأثير، والمحلى لابن حزم، واختلاف الفقهاء لابن جرير الطبري، وفصل الخطاب فيما بين الحكمة والشريعة من الاتصال لابن رشد، وتهافت الفلاسفة لحجة الإسلام الغزالي وتهافت التهافت لابن رشد، وفتح الباري لابن حجر العسقلاني، والجامع الصحيح للترمذي، وفتوح مصر لابن عبد الحكم، وغيرها آلاف يصعب إحصاؤها، أو معرفتها لمختص في اختصاص واحد.

كنتُ أقرأ من أي منها فصلا أو فصلين، وأقتلع نفسي لأعود إلى أوراق وتقارير واجتماعات عملي، ثم أعود إليه مرة أخرى، وأعجب لصبره عليها، وهضمه ما فيها؛ بل ونقده وتعديله لها.

وقد أثبت بهذا التوجه، وبما أفتى فيه: أنه لا يمكن للقياس العقلي والفقه أن يؤديا إلى فتاوى أبدية، فكل من العقل والفقه ديناميكي، وكل منهما غير ثابت. صحيح أن القرآن ثابت، ولكن السنة تتوقف على الرواة. بل وعلى الأحداث والمتغيرات. أي ديناميكية، وليست ثابتة. والشرع فيه ظاهر محدَّد، وفيه العام، وفيه الخاص، وحتى يمكن إقناع العقل، وليس فقط الوجدان، فلا بد من التأويل. ونجاح التأويل يعتمد على إمكانيات العقل، من علم وتجارب وأفكار ومرونة. وهذه جميعًا من المتغيرات وليست مقدسات.

المتعلمون في مدرسة القرضاوي

  • إن مَن تعلَّم في مدرسة الإمام القرضاوي، تعلَّم أن يضيف إلى البناء أبنية، ولا ينشغل بإصلاح حائط فيه أصابه خلل ما.
  • تعلَّم فيها الصف المرصوص، تعلم فيها حديث الرسول صلى الله عليه وسلم، عما يفعل “الذئب بالغنم القاصية”، تعلَّم فيها “إن يكن فيه فقد اغتبته، وإن لم يكن فيه فقد بهته”.
  • إن مَن تعلَّم في مدرسة الإمام القرضاوي تعلَّم الاستمرار في العمل الجماعي، وتجنُّب الأنا.
  • تعلم فيها التركيز على مصالح الأمة، ولم ينشغل بنتوءات، وصياح الديوك المتصارعة، التي قد توقف صياحها إن أغريت بطعام أو بأنثى.

كل ذلك كان شاخصًا أمام تلامذته ومريديه، حيًّا، متحركًا، مناديًا، ناصحًا، مشجعًا، ينفذ إلى العقل، ويدغدغ العاطفة، ويغذي الروح، وأصبحنا نؤمن بأن الشيء الوحيد الذي ليس خاضعًا للتغيير في الإسلام بتغير المراحل أو البيئة أو الظروف هو: (نص القرآن أو الحديث). أما ما عدا ذلك، فكلها متغيرات، كالأسلوب أو المنهج والشرح والتوقيت والبشر، فإن الإسلام لم يمنع أن يتعامل هو ومعتنقوه مع الأحداث والأقوام والأزمان، بما يعنُّ فيها من متغيرات، بغير تعارض أو تصادم مع الثابت الوحيد، وهو النص، سواء أكان قرآنيًّا أم نبويًّا.

ولا بد من التفريق بين ما هو سماوي وما هو إنساني، والمبالغة في تقديس علماء القرون الأولى من تاريخ الدولة الإسلامية، وتقديس إنتاجهم البشري، واعتباره جزءًا من العقيدة، وإساءة الظن بأي مجتهد محدَث، لا يمكن أن تبني نهضة؛ بل تآكلًا وتقهقرًا وانكماشًا، ولن يخلق التباهي حضارة، ولكن استمرارية وتطوير الإبداع العقلي هو الذي يوجد الحضارة، ويمنع تآكلها. ويجب التفريق بين العقيدة والشريعة، وبين الفقه، أي بين ما هو سماوي وما هو إنساني.

وشرح الإمام القرضاوي في كتبه: أن المطروح عمله في الساحة المعاصرة أمور منها: التربية، حتى يتعمق الإحساس والحساسية والشفافية والتقبل؛ لتكوين القدوة للعقيدة، والنموذج الحي، الذي يعبر عن التصور الأصلي.

  • بيان وتبويب الأسس والمناهج والنظم والتصورات، بطريقة تتناسب مع المرحلية المتغيرة.
  • أنه ليس هناك تعارض في أن تتوازى هذه الخطوط في سيرها إلى غاية شاملة، ما دامت هذه الغاية ساحة عريضة، وهي تطبيق شرع الله، الذي لا يمكن اعتباره نقطة واحدة، بل ساحة واسعة.

وقد وصل خطاب الإمام القرضاوي إلى كل مكان في العالم، هناك من هو سريع الاستقبال، وآخر بطيء، وثالث بينهما، هناك من ساعده فكره أو عمقه أو ثقافته على سرعة التقبل، أو الرفض، وهناك عكسه، ورابع بينهم، هناك من وصلته الرسالة فانفعل بها، وآخر لم تصله، ولو وصلته لغفل، وثالث قد وصله بعضها، وقد غفل هو بينهما. هناك مَن صدع بعقله وقلبه، ولكنه يحتاج للفهرسة التي تساعد استيعابه على عدم الإفراط أو التفريط، وآخر يتجنبها ليحيا في غابة متشابكة من المعلوم والمجهول، وآخر بينهما.

هناك مَن تقبل الرسالة وصدع بها ولها، وتشربت كل حواسه وقواه العقلية والروحية بها، وأصبح نموذجًا حيًّا في أدائه وخلقه وضميره، ولكنه يخشى الفتنة التي لا يأمنها مؤمن، ولو إحدى قدميه في الجنة. الفتنة التي كادت تعصف بأوائل الصحابة والخلفاء، عندما مات الرسول الأعظم، صلى الله عليه وسلم، فخرج عمر يقول: مَن قال: إن محمدًا قد مات. قتلته بسيفي. فقام أبو بكر إلى المنبر، وقال: من كان يعبد محمدًا، فإن محمدًا قد مات، ومن كان يعبد الله، فإن الله حي لا يموت. وقرأ قول الله: ﴿وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِن مَاتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ﴾ [آل عمران: من الآية 144].

القرضاوي إنسانيًّا وطبائعيًّا

أما عن طبائع الإمام القرضاوي وخلقه، فتُرجِمت عندما وقف مرة راضيًا مبتسمًا أمام أبيات مكتوبة في إطار على مكتبي، وكأنه يقول: أحمد الله فهذا مسلكي.

إذا شئتَ أن تحيا سليمًا من الأذى

وحظك موفور وعرضك صيِّن

لسانك لا تذكر به عورة امرئ

فكلك عورات وللناس ألسن

وعينك إن أبدت إليك معايبًا

فصنها وقل: يا عين للناس أعين

وعاشر بمعروف وسامح مَن اعتدى

وفارق ولكن بالتي هي أحسن

  • كانت وما زالت فتاويه لنا تهدف إلى إذابة الفقاعات الجوفاء المتراكمة التي تحجب الرؤية بيننا وبين المجتمعات التي نعيش فيها، لنلمس الأرضية المشتركة التي نقف معهم عليها، ميسِّرًا لا معسِّرًا. سار من رحلة الإسلام النقلي إلى نور الإسلام العقلي، بعد أن بلور التراث، وأسلم المعرفة. وفتح أبواب الفقه التي أغلقتها العقول المتزمتة بماضيها المتخلف المتحجر، وأحل محلَّها سعة الشرع وآفاقه.
  • علَّم أن العدالة لا تتجزأ، فليس هناك نصف عدالة، أو ثلث عدالة، فإما عدالة وإما ظلم. كان وما يزال خير خلف لخير سلف، وله قدرة عجيبة في اختيار الأصدقاء من بين الأعداء.
  • يعتبر أن الأخلاق السياسية المعاصرة في بلادنا آثمة ككل الأخلاق المفتعلة؛ لأنها تقيم سلمًا للقيم، وتفاضلًا بين الناس، وتنظِّر عنف الخضوع وتجسِّده في مؤسسات اجتماعية.

ورغم قضائه أوقاتًا كثيرة في مكتبته بين الكتب والأوراق قارئًا وكاتبًا، فإنه عاش فترات طويلة جوالًا في أرض الله الواسعة، بين قارات الدنيا، من مشرقها إلى مغربها، كان يعي ألا يصبح كمن يكلِّم نفسه. ولذلك كان يسافر في البلاد ليرى العالم على سعته واختلافه، كما هو الواقع، لا كما وصفه الواصفون. وكان يخرج إلى الناس، ليرى علامات النقد أو القبول في عيون ووجوه وأقوال سامعيه ومتابعيه ومحللي أفكاره.

اختار طريق تحريك الفكر، بدلًا من الانشغال بتنظير التحرك، فإن المَحك والإثبات الوحيد لاستقامة الفكر هو تطبيقه في مطابخ الحركة، لتنضج الأفكار التي يمكن هضمها، وليست في سراديب المكتبات، ومتاهات التحليق التهيؤي، والأبراج العاجية.

تفادى أن يصبح رقمًا في معابد الأكاديميات التي تقرأ وتكتب، ولا تعمل، فاستعمل المنطق حينما يجب أن يستعمله، والحكمة في توقيتها، والموعظة إذا وجد من يقدرها.

كانت دائمًا أهم أهدافه هي أن يجد الحلول لكل ما يستبعد نتيجة للصدام بين جمود مجترِّي التركة العلمية بلا جديد، وبين سرعة محدثات الفكر، ومتغيرات المواجهات، التي تعنُّ للإنسان في حياته المعاصرة.

ويرى أن النكوص بالعقل إلى ردة زمنية لا علاقة لها بمحدثات الزمن، لا يؤدي إلا إلى الانحطاط والتخلف. إنه يصر على تحديد المشكلة قبل أن يعالجها: هل هي الموضوع، أم المنهج، أم النظرية، أم أسلوب مواجهة علاجها، أم أسلوب حلها؟

  • علَّم أن علوم الرحمة والعطاء هي ضمير الأمم.
  • علَّم أن فكر الإسلام لا يعاني هنا أزمة، ولكن محاولة انتزاع الأمة من إسلامها هو موضوع الأزمة.
  • علَّم أن الأسلوب المتشدِّد العقيم في الدعوة لا ينتج إلا الحطام والتصدع في بناء الإيمان، ويؤدي إلى زعزعته، وهذه أهم مراحل الهدم.

القرضاوي والشباب

  • إن تركيز حديثه إلى الشباب، يختلف عن حديثه لغيرهم، فهو يحذرهم من الأخطاء، ولا يعلمهم ما العمل، فهو يعرف أن ما سيقابلهم أمور مستحدثة ومستجدة، لا يصل إليها إلا جيل الحدث. وظل يدفع إلى تجنب أخطار المراهقة السياسية أو الدينية، ونادى بأن الأقدمية لا تؤدي دائمًا إلى الأفضلية، والسن والخبرة قد لا يكونان وحدهما مصدر الامتياز. وما قيمة المعرفة إذا جاءت بعد فوات الأوان، وما ينفع الندم إذا ما استحال تصحيح الخطأ؟!
  • أنشأ الجديد وترك الباب مفتوحًا للقادمين بعده، ليضيفوا ما سيستجدّ، وحذرهم بأن الباب المكسور لا ينغلق.

فتوى القرضاوي وأبنائي التوأم

مرضت زوجتي وهي حامل، وسقط الحمل بعد الاضطرار لتناول بعض الأدوية واكتشفنا أن هناك جنينًا آخر، هو توأم لأخيه، قد يكون قد تأثر، وتوجه الأطباء إلى إسقاطه خوفًا عليها، ولجأت أنا وأمه إلى الإمام القرضاوي، فليس الأمر طبًّا فقط، وقد يؤدي إلى جريمة قتل مخلوق، لتجنب احتمال -وأكرر احتمال- الضرر بأمه أو به.

وأجهدني الشيخ بأسئلته، واضطررت أن أعود عدة مرات إلى الأطباء للرد عليها، ثم أفتى بالاستمرار في الحمل، ورزقنا بمولود أحاطته الرغبة في الالتزام بالشرع، ونحمد الله أن نبت صالحًا، وتخرج من أهم الجامعات الأميركية والبريطانية، وأكمل فيها الماجستير والدكتوراة في الفيزياء في سن الخامسة والعشرين، ثم توجه إلى الأسواق العالمية عصاميًّا عندما تكالبت كلاب السياسة العالمية على أبيه فشلَّت وأفشلت ما بناه في أكثر من نصف قرن.

لقد ظللنا نعمل مع الإمام القرضاوي سنين عددًا، وكانت لوجانو -حيث أعيش- مقرًّا جيدًا لنا، كم تلاقينا فيه من بلاد شتى، من الشرق والغرب، من أميركا وأوروبا والعالم العربي والإسلامي، لنبحث في قضايا الأمة والإسلام، والمعرفة والاقتصاد، وغيرها، وأقمنا أول مؤتمر في هذا المكان الآمن. وكم تكرر ذلك، كلما ناسب المقام، ودعت الحاجة.

لقد أظلني الله مع الإمام القرضاوي في ظلال غابة مثمرة في رحلة العمر داخل جماعة الإخوان المسلمين. غابة فيها أشجار ضخمة لم تؤثر فيها الرياح ولا الصقيع، وفيها أيضًا بعض الأشجار الكبيرة عصفت بها الرياح فتمايلت، وأخرى تداعت وسقطت، وأخرى سقطت أوراقها وأخرى ذبلت، وأخرى ما تزال خضراء تنتظر حرارة الربيع لتزيد في فروعها وأوراقها وثمرها.

وفيها أيضًا أشجار أخرى صغيرة، ولكنها مثمرة، وأخرى كامنة تنتظر الارتواء، ويسقط مَن يسقط، ويذبل مَن يذبل، ويورق مَن يورق وينمو مَن ينمو، وترتفع قامات…

لقد استمر رائدها في غرسها 20 عامًا، منذ عام 1928 حتى عام 1948، ثم هاجمتنا بعض الوحوش الضارية فافترست منا مَن افترست، وجرحت من جرحت، وجففت بعض منابع الخير. وأنشد الإمام القرضاوي فيما أنشد:

يا رب إن الطغاة استكبروا وبغوا

بغي الذئاب على قطعان حملان

يا رب كم يوسف فينا تقي يد

دانوه بالسجن والقاضي هو الجاني

يا رب كم أسرة باتت مشردة

تشكو تجبر فرعون وهامان

يا رب رحماك أنجز ما وعدتَ به

وانصر فنصرك من أهل الهدى دان

استشهد رائدنا وهو يسعى إلى سلم مع الطغاة فغدروا به، ثم جاء خلفه فحدد المسيرة بتنظيره أننا (دعاة لا قضاة) ليحدَّ من مغالاة المغالين، وثأر المظلومين.

واستجمعنا قوانا بعد أن استشهد رائدنا، واستعنا بالله وعدنا إلى الحرث والزرع مرة أخرى، سنوات ثلاث من عام 1951 إلى عام 1954 وعادت وحوش أشد ضراوة، فأهلكت الحرث والنسل، وحصدوا الأرواح، ولم يتركوا ثمرًا، بل زرعوا خوفًا وضحايا، وقاومنا نزعات الانتقام، ودعونا بدعاء الرسول: “اللهم اهدِ قومي، فإنهم لا يعلمون”. وزاد علينا الحصار، ويا للعار، ومررنا بفترة ملؤها دموع ذرفت، ودماء نزفت.

وترك بعضنا أرض الكنانة، وانتشرنا في بقاع الأرض وعمَّرناها. وكثير منا توجَّه إلى الشرق، مَن كان مدرسا درَّس لأبناء البلاد التي حطت رحالنا فيها، ومَن كان طبيبا طبَّب مرضاها، ومَن كان مهندسا عمَّر مصانعها ومبانيها، وأعطى كل مَن كان له علم أو خبرة ما عنده من العلم والخبرات بإخلاص لأبناء وأهالي البلاد التي حطوا فيها، وقضوا سنين هجرتهم، حتى إذا مرَّ أعداد من الخريف والشتاء، عاد كثير ممن ظلَّ منا على قيد الحياة إلى مصر، أما أنا فلم أذهب إلى بلاد الشرق، ولكني ذهبت إلى الغرب، وظللنا نسعى في نشر الرسالة.

وللأسف عندما أغار علينا التتار في مصر مرة أخرى، ويا للعار تنكرت لنا بعض الحكومات العربية -التي قضى فيها بعض الإخوان أهم سنوات حياتهم، مساهمين في نهضتها وتعليمها- واصطفت مع العساكر من المغول والتتار، الذين انقلبوا علينا في مصر، وسمَّونا إرهابيين، واغتيل الوفاء، وغاب المشيعون عن جنازته، كما غابوا عن جنازة رائد الجماعة ومؤسسها.

صنفونا بأننا جماعة إرهابية، رفعوا في وجهنا السلاح، ولم يدعوا لنا فرصة إلا أن ننأى برسالتنا من أن ينسب لنا ما جبلوا عليه من استعمال الدين في الطغيان والاستبداد. أقول لمن يرضى منا بالدونية، ويسعى إلى مد الخيوط معهم، ويخفض هامتنا وليس أجنحتنا: ﴿وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ﴾ [سورة المنافقون: 8].

واستمرَّ الإمام القرضاوي في دوره بالتوجيه والتأصيل لجند الإسلام أينما كانوا، وليس فقط للإخوان، ولم يتركهم لشيوخ السلاطين، أو شعوذة المشعوذين، أو سلفية المتحجِّرين، وتحرك غيره من الإخوان كل في مجال عمله وما درب عليه، لنشر تطبيقات الفكر الإسلامي في كل متطلبات الحياة.

ومنذ عام 1954 لم يرفع عنا الحصار، إلا عندما انتفض الشعب المصري كله في 25 يناير/كانون الثاني عام 2011، وأينعت نباتات الغابة، حتى جاءها طوفان آخر من الخونة والجبابرة، في موجة من موجات الجراد المخرِّب، فاستعادت الجبروت والظلم والتصحير والتخريب، ودخلت أشجار الغابة فترة الخراب والدمار عام 2013 وما تزال.

عشرون عامًا من 1928 إلى 1948، ثم ثلاثة أعوام من 1951 حتى عام 1954، مجموعها ثلاثة وعشرون عامًا فقط، السنوات التي تحركنا فيها بحرية نسبية وليس 88 عامًا كما يقال، وكان الإمام القرضاوي قد كتب (عام 1998 كتابه “الإخوان المسلمون 70 عاما في الدعوة والتربية والجهاد”)، وليسمح لي أن أحدد السنين المنتجة خارج المحن والآلام، والتعذيب والامتهان خلف القضبان، نتخطف ونهاجر وتصادر أموالنا وممتلكاتنا ويُروع أولادنا ونساؤنا، وتهتز صحة أبداننا، واغتيلت كل القواعد الخلقية والمُثل الإنسانية والدينية في التعامل معنا، وحتى ما هو واجب شرعي وسياسي وحركي وإنساني في كفالة العائلات المتضررة من الحرب المسلطة علينا، سمته أجهزة الشيطان (جهاز التمويل)، حيث هدفها ليس فقط وقف النشاط الإسلامي وتغييب صوته، ولكن إبادة كل ما يتصل به، وقطع سبل الحياة والغذاء والكساء والسكن والتعليم والصحة عن كل ما له علاقة به، سواء كانت عائلية أم إنسانية، وسميت هذه الإجراءات بسياسة تجفيف الينابيع، وكانت الأحكام تصدر على من يتبرع بجنيه، سنة سجنًا، و5 جنيهات 5 سنوات سجنًا، و10 جنيهات 10 سنوات سجنًا، إلخ. وكانوا يستدعون النساء الذين غيَّبوا أزواجهن لاستجوابهن، من أين يعشن ويصرفن ومَن يساعدهن؟ ويهددونهن بالاغتصاب إن لم يجبن، ويسألون الأطفال عن الزوَّار. وشوِّهت الآدمية، وقتلت الإنسانية، وتيتمت الوطنية، وغاب ضمير التاريخ.

نعم إن ما يتابعه العالم ويتحدث به ويكتبه عن تاريخنا ونشاطنا وإنتاجنا في العالم أجمع، هو إنتاج ثلاثة وعشرين عاما فقط، وليس (88) عامًا من 1928 إلى 2016 كما يقال، أو كما جاء في كتاب الإمام القرضاوي.

بدأنا في مدينة الإسماعيلية وأصبحنا في (70) دولة من دول العالم بفضل الله ورعايته.

ومرت بنا المراحل العشر لترشيد الصحوة التي حددها الإمام القرضاوي، وهي:

  • من الشكل والمظهر إلى الحقيقة والجوهر.
  • من الكلام والجدل إلى العطاء والعمل.
  • من العاطفية والغوغائية إلى العقلانية والعلمية.
  • من الفروع والذيول إلى الرؤوس والأصول.
  • من التعسير والتنفير إلى التيسير والتبشير.
  • من الجمود والتقليد إلى الاجتهاد والتجديد.
  • من التعصب والانغلاق إلى التسامح والانطلاق.
  • من الغلو والانحلال إلى الوسطية والاعتدال.
  • من العنف والنقمة إلى الرفق والرحمة.
  • من الاختلاف والتشاحن إلى الائتلاف والتضامن.

وقد قيَّم الإمام القرضاوي أعمال الإخوان بأن ذلك كان جهدًا بشريًّا غير معصوم يعمل لخدمة الإسلام ونصرته بقدر الطاقة البشرية.

أصبنا أحيانًا، وأخفقنا أحيانًا أخرى، والتزم بالصف مَن التزم، وتولى مَن تولى، وظلت القافلة تسير، تارة مسرعة، وأخرى مبطئة، ولكنها بحمد الله لم تتوقف، أما مَن أخطأ فيجب أن يترجل، ولا يُعطى فرصة أخرى؛ ليحاول تبرير الخطأ، أو تكراره. نعم علينا أن نسعى للمسامحة، ولكن لا نريد المجاملة على حساب المساءلة.

لقد أصبح الإخوان إما في السجون، أو ملتزمين برسالتهم في سكون، وأيضًا يوجد منهم من بعضهم لبعض يتهمون، وبإخوتهم يلمزون، فلعلهم يؤوبون ويتوبون، وإلا فسيسري عليهم ما سرى على أمثالهم في تاريخ الجماعات، بأنهم إما المتراجعون، وإما القاعدون، وإما والعياذ بالله المنافقون.

ولا ندري إلى متى سيظل الكبت والقيود والإرهاب والضغط المحيط والمطارد والمسلط على الفكر الإسلامي، يدفع هذا الفكر من فشل في مواجهة الحرب عليه، إلى تحويل ساحة الحرب والنقد والرفض إلى معركة داخلية بين فصائله.

إن هذه المنظومة والمعزوفة من المتفقات والمختلفات والمتماثلات والمتناقضات وما بينها، خلقها الله لتحيا جنبًا إلى جنب في أزمنة مختلفة وعصور متحركة وحركة دائمة.

أقنعني مرشد المسيرة في عام 1985 بأن أقتحم مجال البنوك، الذي كنتُ قد عركته في ربع قرن من المعاملات والدراسات، لأنشئ بنكًا إسلاميًّا، وتوكلت على الله وبدأت، ورجوت الإمام القرضاوي أن يساندني في الرقابة والتوجيه الشرعي، ورغم ضيق وقته وكثرة أعبائه قبل رجائي، وحدد مساعديه، وعرضت عليه القانون الأساسي لبنك التقوى، وعدَّل ما وجده يحتاج إلى تعديل، وتحركنا وكنتُ أكبر المساهمين والمضاربين، ونمت قدرتنا، وأصبحنا رقمًا مهمًّا في مجالنا لأكثر من اثنتي عشرة سنة، ثم جاء الطوفان، وأصبحت أكبر الخاسرين، بدأ الطوفان عام 1997، عندما استطاع بعض القتلة قتل مجموعة من السياح في الأقصر بمصر، ومنهم (70) سائحًا سويسريًّا، وهاجت سويسرا وبدأت تحقيقاتها، وأرسل المدعي العام المصري زورًا وبهتانًا للحكومة السويسرية أن بنك التقوى ورئيسه هم الذين مولوا هذه الجريمة، فأسرعت المدعية العامة الفدرالية السويسرية كارلا دلبونتي، بالتحريات المتعمقة، وقابلتني، وسافرت مع مساعديها إلى مصر، وبعد عودتها أعلنت في وسائل الإعلام: أنها لم تترك حجرًا إلا بحثت تحته، وتأكدت أن يوسف ندا وبنك التقوى لا علاقة لهم بالإرهاب، ولا بما حدث في الأقصر.

وفي العام نفسه، حدثت انهيارات وخسائر عنيفة في اقتصاديات جنوب شرق آسيا، وكانت لنا استثمارات كبيرة في ماليزيا تأثرت مثل غيرها. لم نيأس، وكافحنا وعدنا لتحقيق أرباح تدريجية.

الساعة الثامنة والنصف صباحا، يوم 7 نوفمبر/تشرين الثاني 2001 عقب كارثة (11 سبتمبر/أيلول)، هاجم رئيس الولايات المتحدة على شاشة التلفزيون بنك التقوى ورئيسه بالاسم، واتهمهم بتمويل الإرهاب، وأعلن أنه سيجوِّعهم، وقال لحكومات العالم في تحدٍّ: إما أنكم معنا أو علينا. ووقع على قرارات الإدارة الأميركية، وتبعته القوى الدولية ومجلس الأمن لهدم بنك التقوى وتصفيته، ووضعوه والقائمين عليه في قوائم الإرهاب الأميركية والدولية، وجمدوا أموالهم وممتلكاتهم، وحددوا إقامتهم، وصادروا مستنداتهم وأوراقهم، وبدأت معارك قضائية شرسة وطويلة، وفي عام 2004 صفوا البنك بخسائر كاملة، وأصبح لا وجود له قانونيًّا وعمليًّا.

ولم يتركوا أثرا لمستنداته أو ممتلكاته أو حقوقه أو التزاماته، وفي عام 2005 أمرت المحكمة الاتحادية السويسرية المدعي العام السويسري بغلق تحقيقاته التي فتحها منذ أمر الرئيس الأميركي بها، لعدم وجود أدلة على ما اتهمتنا به الإدارة الأميركية، وأغلقت التحقيقات، ولكن الإدارة الأميركية فرضت على جميع أعضاء الأمم المتحدة، ألا ترفع الإجراءات والقيود المفروضة علينا من مجلس الأمن، واستمرت معاركنا القضائية، حتى فرض البرلمان السويسري والمحكمة الأوروبية فك الحصار علينا لبراءتنا من أي شبهة.

وتفاديا لتطبيق سابقة عدم الالتزام بقرارات البند السابع لمجلس الأمن، وافقت أميركا عام 2011 على طلب سويسرا رفع القيود المفروضة علينا دوليًّا من مجلس الأمن منذ عام 2001، بعد أن فقدنا المال والصحة وتخطيت الثمانين من العمر.

وكانت مدخرات الإمام القرضاوي هو وعائلته مستثمرة في أسهم بنك التقوى ومضاربته، وتبخرت مع أموالنا وأموال المساهمين والمستثمرين، حيث لم نتمكن من الوصول إلى الأصول، أو حتى صور من أي من المستندات، وخاصة المالية والبنكية والتجارية.

كرر الإمام القرضاوي عليَّ سؤالين، ليريح ضميره، ويرضي عقله بصفته رئيس هيئة الرقابة الشرعية لهذا البنك، الذي أنشأته، وكنت أرأس إدارته:

السؤال الأول: هل كانت هناك أي علاقة للبنك أو أي من إدارته أو عملائه أو مساهميه بأي من الأسماء التي أعلنت أن لها علاقة بهذه الأحداث، أو بالمتورطين في أحداث العنف أو الإرهاب؟

فرددت عليه: بأننا رددنا على البنك المركزي مثل جميع البنوك، بعدم وجود أي اسم من هذه الأسماء؛ لا في الإدارة، ولا في المساهمين، ولا المضاربين، ولم تحول لا منا ولا من البنك أو إليه أي أموال من هذه الأسماء.

والسؤال الثاني: من المسؤول عن أموال المساهمين والمضاربين؟ الإدارة التي أرأسها أم هيئة الرقابة الشرعية التي كان يرأسها؟

فأجبته: أن الإدارة هي التي تدير العمل والمال، وهي المسؤولة الوحيدة عنه شرعًا وقانونا، أما هيئة الرقابة الشرعية فعملها: (هو ما تذكره في تقريرها السنوي، الذي يعلن ويوزع على المضاربين والمساهمين). وهو إبداء الرأي الشرعي فيما يعرض عليها، ومراجعة العقود والنماذج العميلة التي تعرض عليها، مع إدخال التعديلات اللازمة لضمان شرعية التعامل، وكذلك مراجعة حساب الزكاة وإخراجها.

فقال: أعلم هذا، وأردت أن أعيد سماعه منك، وعلى أي الأحوال حسبنا الله ونعم الوكيل. إن ما يؤلمنا ليست أموالنا، ولكن أموال ومدخرات الآخرين، ولا حول ولا قوة إلا بالله، وأسأل الله أن يخرجكم من هذه الحملة الشرسة سالمين، ويعوضنا ويعوضكم ويعوض كل الخاسرين.

هذه كانت بعض قشور من حياة الإمام القرضاوي، رحمه الله، ونسأل الله أن يتقبل ما عمل من خير، ويجزيه خيرا عن الإسلام والمسلمين ويغفر لنا وله ما فرطنا فيه من عمل الصالحات، أو ألممنا به من عمل السيئات، إنه هو الغفور الرحيم.



Source link