محادثات للعسكريين بنيروبي.. هل تصمد اتفاقية السلام بين الحكومة الإثيوبية وجبهة تيغراي؟ | سياسة


أديس أبابا- أثارت اتفاقية وقف إطلاق النار التي وقّعتها الحكومة الإثيوبية وجبهة تيغراي -الأربعاء الماضي- تساؤلات بشأن إمكانية الالتزام بها، ومن ثم صمودها أمام تحديات السلام ومتطلباته واستحقاقاته.

وكان مبعوث الاتحاد الأفريقي الخاص للقرن الأفريقي الرئيس النيجيري السابق أولوسيغون أوباسانغو أعلن أن “طرفي النزاع الإثيوبي اتّفقا رسميًا على وقف الأعمال العدائية، ونزع الأسلحة بشكل منهجي ومنظّم وسلس ومنسق”، مؤكدًا: “اليوم بدء حقبة جديدة لإثيوبيا، ولمنطقة القرن الأفريقي، وبالحقيقة لأفريقيا كلها”.

كيف يُنظر للاتفاقية؟ وإلى أي مدى يمكن أن تصمد؟

يعتقد مراقبون ومحللون سياسيون تحدثت إليهم الجزيرة نت أن الاتفاقية خطوة متقدمة تعزز الآمال في إنهاء صراع راح ضحيته المئات، إضافة إلى نزوح الآلاف على مدار عامين.

ويرى الباحث والمختص بالشأن الأفريقي عبد القادر محمد علي أن الاتفاقية تميّزت بعلانية التزامات كل طرف، وبدعم أفريقي ودولي كبيرين.

وأوضح محمد علي للجزيرة نت أن الاتفاقية نجحت مبدئيًا في وقف إطلاق النار، معدًّا ذلك إنجازًا مهمًا بالنظر إلى دموية المعارك وكلفتها البشرية الكبيرة، مضيفًا أن مستقبلها رهين بقدرة الحكومة والجبهة على تجاوز الصعوبات الداخلية والخارجية، والسير قدمًا في سبيل تطبيق بنود الاتفاقية.

ومثّلت الخطوة تحولًا كبيرًا وديناميكيًا في المفاوضات التي مرت بتحديات وتعقيدات لأزمة استمرت لنحو عامين من الصراع العسكري بين أديس أبابا وجبهة تيغراي منذ نوفمبر/تشرين الثاني 2020، وتجددت في 24 من أغسطس/آب الماضي، منهية هدنة استمرت 5 أشهر، مما أثار قلق المجتمع الدولي الذي يخشى من العواقب الإنسانية للنزاع قبل التوصل للاتفاقية الأخيرة التي تمت برعاية الاتحاد الأفريقي.

ما أبرز بنود الاتفاق؟

تمخضت جهود الاتحاد الأفريقي لرعاية مفاوضات شاقة ومعقدة استغرقت 10 أيام بين وفد الحكومة الإثيوبية ووفد جبهة تحرير تيغراي في إقناع الطرفين للتوقيع على اتفاق جاءت أبرز بنوده في: “وقف دائم للعدائيات” (الحرب)، ونزع سلاح جبهة تيغراي، مع تأكيد وجود جيش وطني واحد وإرساء القانون والنظام، وإعادة الخدمات وإيصال المساعدات لإقليم تيغراي، مع فرض الحكومة الفدرالية سيادتها على كامل الإقليم، وتشكيل حكومة انتقالية فيه من قِبل أديس أبابا، فضلًا عن الاحتكام للدستور مرجعًا نهائيًا في أي خلاف.

Ethiopian army takes control of Dessie and Hayk towns of Amhara
الجيش الإثيوبي سيطر على بلدتي ديسي وهايك في أمهرة (الأناضول)

ما مواقف الطرفين من الاتفاق؟ وكيف تسير عملية التنفيذ؟

يرى الباحث السوداني في الشؤون الأفريقية عباس محمد صالح أن الطرفين تبدو لديهما رغبة قوية في المضي قدمًا في مسار الحل السلمي لإنهاء النزاع، معدًّا عقد لقاءات بين ممثلين عسكريين رفيعي المستوى من الجانبين مؤخرًا في نيروبي برعاية فريق الوساطة، خطوة مهمة في هذا الاتجاه.

وأضاف صالح للجزيرة نت أن نتائج هذا الاجتماع سوف تنطوي على مؤشرات حول مستقبل التسوية وآفاقها.

ويوم الاثنين الماضي، بدأت محادثات القادة العسكريين في نيروبي بين الجانب الحكومي الذي ترأسه قائد أركان الجيش الإثيوبي الجنرال برهانو جولا، وجانب الجبهة الذي ترأسه قائد قواتها الجنرال تادسي وردي لمناقشة تنفيذ بنود الترتيبات العسكرية، وأبرزها: نزع سلاح مقاتلي جبهة تيغراي بشكل دائم تماشيًا مع الاتفاقية.

ويرى الباحث عبد القادر محمد علي أن الطرفين الرئيسيين -الحكومة الفيدرالية وجبهة تحرير تيغراي- يبدو حتى الآن أنهما ملتزمان بهذه الاتفاقية، وضرورة ربطها بجدول زمني وفتح قناة تواصل بين القادة العسكريين للطرفين، ودخولهما بعد ذلك في محادثات حول آليات تطبيق البنود العسكرية، مشيرًا إلى أنها تسير وفق الجدول المحدد.

وكان رئيس الوفد الحكومي في المفاوضات السفير رضوان حسين أطلع الحكومة الإثيوبية -على المستويين الفيدرالي والإقليمي- على الاتفاقية والمهام المتوقعة في المستقبل لتنفيذها.

وبالمثل أعلنت جبهة تحرير تيغراي -في اليوم الثاني من الاتفاق- أن الاتفاقية تأتي في مصلحة شعب تيغراي، وأنهم حرصوا على ضمان كل مطالب شعب تيغراي، مشيرة إلى أن أهم بنود الاتفاق وقف إطلاق النار وخروج القوات الأجنبية، ودخول المساعدات ورجوع الخدمات الأساسية.

ما مستقبل الاتفاقية وإمكانية نجاحها؟

وحول إمكانية نجاح الاتفاق أشار الباحث عبد القادر محمد علي إلى ما ذكره الوسيط الأفريقي كينياتا أن الشيطان يكمن في التفاصيل، كما أن المتحدث باسم جبهة تيغراي جيتاتشوا ردا ذكر أن التوقيع على الاتفاقية شيء، وتنفيذها شيء آخر تمامًا.

وأوضح عبد القادر أن هناك بعض البنود التي يحتمل أن تخلق بعض المشكلات عند تطبيقها، مثل: نزع سلاح قوات دفاع تيغراي المرتبط بالوضع الأمني على الأرض، ووجود القوات الإرترية والأمهرية في الإقليم، ما يطرح التساؤل عن قدرة الحكومة الفدرالية على إجبارهما على القبول بمتطلبات الاتفاقية.

وتابع أن ثمة إشكالًا يتعلق بوضع منطقتي غرب تيغراي وجنوبها، حيث إن عودة الحكم الدستوري للإقليم يعني الاعتراف بتبعيتها لإقليم تيغراي، وهو ما ينازع فيه الأمهرة بالسيطرة عليها وادعاء تبعيتها لإقليمهم، ومعالجة هذه القضية متعددة الأبعاد ستظل سؤالًا معلقًا بالنظر إلى تشابك الملفات الداخلية والخارجية المرتبطة به.

وتدّعي كل من عرقية الأمهرة والتيغراي ملكيتها التاريخية لمنطقتي غرب تيغراي وجنوبها، ويخشى الأمهرة أن تعيد الحكومة في النهاية الأراضي المتنازع عليها إلى تيغراي.

ما احتمالية انهيار الاتفاق وتجدد القتال؟

أوضح الباحث السوداني عباس محمد صالح أنه إذا أخفق الطرفان في إيجاد تدابير قوية للبناء فيما بينهما، وإذا أخفق -كذلك- فريق المراقبين في القيام بدوره المنوط به على أكمل وجه؛ فإن سيناريو انهيار اتفاق وقف العدائيات مرجح إلى حد كبير.

وتابع أن الأوضاع تمضي على وتائر متناقضة؛ فعلى مستوى التواصل السياسي والعسكري بين الطرفين تمضي بصورة بطيئة نسبيًا، بينما على الأرض هناك تحركات مزعجة ومخيفة بشكل حقيقي، والأكثر مدعاة للقلق هو عدم تفعيل فريق المراقبين وصغر حجمه (10 أشخاص فقط)، مع تعاظم المهام والواجبات الملقاة على عاتقه.

فيما أشار الباحث والمختص بالشأن الأفريقي عبد القادر إلى أن صمود الاتفاقية من عدمه يعود إلى مدى التزام الطرفين، مضيفًا أن “الأمر رهن بقدرة الطرفين الرئيسيين: الحكومة والجبهة على التمسك بتطبيق بنودها”.

وأردف أن الطرفين بحاجة إلى هذا الاتفاق، لكن مفاعيله ليست مرتبطة بهما وحدهما؛ فهناك قوى داخلية وخارجية مشارِكة في هذه الحرب منذ البداية، ولكل منها أهدافه التي قد لا تتوافق -بالضرورة- مع مخرجات الاتفاقية.



Source link