مقالة خاصة: شي جين بينغ يقود الصين في مسيرة جديدة – الشبيبة


في الصورة الملتقطة يوم 23 أكتوبر 2022، شي جين بينغ، الأمين العام للجنة المركزية للحزب الشيوعي الصيني، يلوح للصحفيين في قاعة الشعب الكبرى بالعاصمة الصينية، بكين.

بكين

بعد 10 سنوات أمضاها على رأس الحزب الشيوعي الصيني، وقف شي جين بينغ، البالغ من العمر 69 عاما، مرة أخرى أمام الصحفيين بصفته الزعيم الأعلى للحزب، وتعهد بقيادة البلاد صوب إحياء النهضة العظيمة للأمة الصينية من خلال مسار صيني للتحديث.

وبعد انتهاء الجلسة الكاملة الأولى التي انتخبته أمينا عاما للجنة المركزية للحزب في 23 أكتوبر، قال شي خلال قيادته زملاءه للقاء الصحافة: “سنضع في اعتبارنا طبيعة الحزب وهدفه ومهمتنا ومسؤوليتنا، وسنعمل بجد في أداء واجبنا، لنثبت جدارتنا بالثقة الكبيرة من جانب الحزب وشعبنا”.

في عام 2012، بعد توليه أعلى منصب في الحزب، قال شي إنه وزملاءه سيقودون الحزب الشيوعي الصيني للكفاح من أجل إحياء النهضة العظيمة للأمة الصينية، والسعي نحو تحقيق حياة أفضل للشعب، ومعالجة المشكلات داخل الحزب.

وخلال العقد الماضي، شهدت الصين تحت قيادته تغيرات تاريخية، حيث تضاعف حجم اقتصادها وبلغ 114 تريليون يوان (16 تريليون دولار أمريكي)، وتم القضاء على الفقر المدقع، وإنجاز بناء مجتمع رغيد الحياة على نحو معتدل في شتى النواحي لسكان البلاد البالغ عددهم 1.4 مليار نسمة.

وكان العقد الماضي عقدا مليئا بالتحديات الشديدة أيضا. فقد شكلت جائحة كوفيد-19 والحرب التجارية مع الولايات المتحدة والضغط الهبوطي على الاقتصاد، شكلت جميعها حواجز لتنمية الصين، واختبرت أيضا قدرة شي وقدرة الحزب تحت قيادته.

ومع تحقيق التحولات الهامة والولوج إلى “عصر جديد” للاشتراكية ذات الخصائص الصينية، يُنظر إلى شي باعتباره قائد الدفة القادر على قيادة البلاد للتغلب على الصعوبات والسعي نحو التحديث الشامل.

ابن هضبة اللوس

وُلد شي جين بينغ في يونيو عام 1953 في عائلة ثورية. وكان والده، شي تشونغ شيون، قائدا موقرا بالحزب الشيوعي الصيني. ووصف شي والده بأنه “شخص كرس نفسه بكل إخلاص للشعب الصيني”، وقال إن والده مصدر إلهام كبير بالنسبة له وتعهد باقتفاء خُطاه.

وبينما كان عمره 15 عاما وباعتباره واحدا من “الشباب المثقفين”، غادر شي بكين متوجها إلى قرية تسمى ليانغجياخه في الجزء القاحل من المناطق الشمالية بمقاطعة شنشي شمال غربي الصين. وقضى شي بعد ذلك سبع سنوات في الريف، حيث كان يعمل ويعيش جنبا إلى جنب مع المزارعين.

وانضم شي إلى الحزب الشيوعي الصيني هناك، وأصبح فيما بعد رئيسا لفرع الحزب في القرية، ما مثل بداية حياته السياسية. وأشار شي إلى أن أمنيته الأكبر حينذاك كانت “تمكين القرويين من تناول اللحوم وتناولها دائما”. فقادهم شي إلى حفر الآبار وبناء السدود والحقول المدرجة على التلال إضافة إلى إنشاء أول خزان لتوليد غاز الميثان في المقاطعة.

وقال شي إنه اكتسب فهمه لما تعنيه كلمة “شعب” من خلال تجربته في ليانغجياخه التي عززت عزمه على “خدمة الشعب” — وهو المبدأ الذي التزم به على مدى عقود.

وفي أواخر سبعينيات القرن الماضي، وبعد تخرجه من جامعة تسينغهوا، شغل شي منصب سكرتير وزير الدفاع. وبعد ثلاث سنوات، تطوع للعمل على المستوى القاعدي ونُقل في عام 1982 إلى تشنغدينغ، وهي محافظة فقيرة بمقاطعة خبي شمالي الصين. وذكرت زوجته، بنغ لي يوان، في وقت لاحق، أن العديد من زملاء شي في الدراسة سافروا إلى الخارج وكان بإمكانه فعل نفس الشيء. لكن شي بقي واختار طريقا أصعب بكثير، وهو أن يكون خادما للشعب.

وخلال السنوات الثلاث التي قضاها شي في محافظة تشنغدينغ، حيث شغل منصب نائب أمين لجنة الحزب ثم أمين لجنة الحزب بالمحافظة، ذهب شي بدراجته إلى جميع الكوميونات وفرق الإنتاج في المحافظة لفحص سير العمل. وفي بعض الأحيان، كان يصل أثناء قيام القرويين بحراثة الحقول، فكان ينضم إليهم ويقوم بالعمل الزراعي.

ثم قضى شي أكثر من 17 عاما في مقاطعة فوجيان بجنوب شرقي الصين، وما يقرب من خمس سنوات في مقاطعة تشجيانغ شرقي البلاد. وشغل عدة مناصب في المقاطعتين الساحليتين، بما في ذلك نائب عمدة مدينة، وأمين لجنة الحزب في ولاية، وحاكم مقاطعة، وأمين لجنة الحزب بمقاطعة. وفي عام 2007، عمل في شانغهاي كأمين للجنة الحزب في البلدية، قبل أن تتم ترقيته لينضم إلى اللجنة الدائمة للمكتب السياسي للجنة المركزية للحزب الشيوعي الصيني.

وحافظ شي على علاقة وثيقة مع الناس أينما عمل، وحتى بعد ترقيته للعمل في قمة هرم الحزب. وجعل شي من تقاليده زيارة منازل مواطنين عاديين عشية كل عيد ربيع. وربما تساعد تجربته المبكرة من الجوع والكدح في المزارع في تفسير سبب قيام شي بفحص المطبخ والحمام والقبو في منازل الناس العاديين.

وفي عام 2013، أطلق شي حملة “النهج الموجه لتخفيف الفقر” ووضع خططا لتنفيذها. وإجمالاً، تم إرسال أكثر من 255 ألف فريق عمل وأكثر من 3 ملايين كادر إلى الريف لمساعدة القرويين على التخلص من الفقر بشكل يناسب كل أسرة على حدة. وتم انتشال نحو 100 مليون شخص من الفقر المدقع في العقد الماضي.

وبحسب قول شي، فإن كل ما فعله هو في الأساس من أجل تحسين حياة الناس. وفي العقد الماضي، نمت ثروة الشعب الصيني بشكل مطرد. وفي عام 2021، وصل نصيب الفرد الصيني من الدخل المتاح إلى 35128 يوانا، بزيادة 80 بالمائة تقريبا عن عام 2012. وتم تقليص نسبة فجوة الدخل بين المناطق الحضرية والريفية إلى 2.5: 1.

ويتمتع الحزب والحكومة بتقييمات جيدة. وأظهر استطلاع أجرته جامعة هارفارد أن معدل رضى المواطنين الصينيين عن الحكومة قد ارتفع بشكل شامل، حيث حصلت السلطات المركزية على أعلى مستوى من الرضى بنسبة 93 في المائة.

من أجل صين قوية

ورث شي مهمة تحقيق الحداثة الصينية التي كانت تحلم بها وناضلت من أجلها أجيال من الثوريين.

وقبل عشر سنوات، عندما ترقى شي إلى المنصب الأرفع بالبلاد، كانت الصين بالفعل ثاني أكبر اقتصاد في العالم وأكبر مُصنع. لكن الاقتصاد واجه ضغوطا هبوطية متزايدة وكانت الحاجة إلى تحويل الهيكل الاقتصادي ملحة. وكانت هناك حاجة أيضا إلى حل قضايا صعبة أخرى، مثل الفساد والتلوث والفجوة في الدخل بين الأغنياء والفقراء، وكلها كانت تشكل تحديات خطيرة للحزب.

وكانت كل الأنظار متجهة إلى شي. وتوقع الناس منه أن يحدث تغييرات حقيقية. ويجب أن تبدأ التغييرات من الحزب نفسه… وقال شي إن الأمر يتطلب حَدادا جيدا لصياغة الفولاذ، داعيا إلى الإصلاح الذاتي للحزب والحوكمة الذاتية “الشاملة والصارمة”. وأطلق شي أكبر حملة لمكافحة الفساد في تاريخ الحزب.

ويعتبر شي القيادة الشاملة للحزب العامل الأهم في بناء الصين لتصبح دولة اشتراكية حديثة عظيمة. وقال مراقبون إن شي لعب دورا رئيسيا في إعادة تشكيل الحزب الشيوعي الصيني. وقال ليو جينغ بي، الأستاذ في أكاديمية الصين للقيادات التنفيذية في بودونغ، إن شي عزز الوحدة في التفكير والتوجه السياسي وتصرفات كوادر الحزب. وغير منحى إضعاف قيادة الحزب وتهميشها في بعض الأماكن والإدارات.

وعزز شي مفهوم “الديمقراطية الشعبية الكاملة العملية”، داعيا إلى بذل جهود حثيثة لتطوير الديمقراطية الاشتراكية.

وتعتبر الحوكمة على أساس القانون في كافة المجالات التي يطرحها شي بمثابة ثورة عميقة في الحوكمة. وفي العقد الماضي، اعتمدت الهيئة التشريعية الوطنية بالصين 70 قانونا وراجعت 238 قانونا. وكانت الكثير من التشريعات غير مسبوقة، بما فيها القانون المدني الذي تم اعتماده في عام 2020 وقانون الاستثمار الأجنبي الذي تم اعتماده في عام 2019 ويعد القانون الأساسي لإدارة الاستثمار الأجنبي المباشر في البلاد وتعزيز التحرير رفيع المستوى وتيسير الاستثمار الأجنبي.

وساعدت هذه الجهود على خلق ظروف مواتية للتنمية بشكل أكبر. وطرح شي فكرة “الوضع الطبيعي الجديد” للاقتصاد. وقال إن الإصلاح بالصين قد دخل منطقة مياه عميقة.

ومنذ الجلسة الكاملة الثالثة للجنة المركزية الـ18 للحزب الشيوعي الصيني في عام 2013، أكمل شي أكثر من 2000 خطة إصلاح تغطي تقريبا كل جوانب الاقتصاد والسياسة والثقافة والمجتمع، علاوة على الحياة اليومية للشعب.

وطرح شي فلسفة جديدة للتنمية تعزز الابتكار والتنمية المنسقة والخضراء والمفتوحة والشاملة للجميع. وقال بيتر كوينغ، وهو اقتصادي كبير سابق في البنك الدولي، إن فلسفة التنمية الجديدة قد تكون النواة لما تم تسميته شيكونوميكس.

وتحت قيادته، رسخت الصين مكانتها كثاني أكبر اقتصاد في العالم. وفي العقد الماضي، تضاعف إجمالي الناتج المحلي بالصين مع زيادة حصته في الاقتصاد العالمي من نسبة 11.3 في المائة إلى 18.5 في المائة. وفي المتوسط، ساهم الاقتصاد الصيني بأكثر من 30 في المائة من نمو الاقتصاد العالمي في السنوات الأخيرة.

ومع تأكيده على نمط للتنمية يتمحور حول الشعب، طبق شي سلسلة من السياسات التي تجلب فوائد ملموسة للشعب. وقد أسست الصين أكبر نظام للضمان الاجتماعي في العالم، مع تغطية 1.04 مليار نسمة بمظلة التأمين الأساسي للمسنين، وتغطية 95 في المائة من عدد السكان بمظلة التأمين الطبي الأساسي.

وقد وضع شي الرخاء المشترك على جدول أعماله. وقال إنه يمثل المطلب الجوهري للاشتراكية. وتهدف حملة شي للرخاء المشترك إلى تضييق الفجوة بين الأغنياء والفقراء ومعالجة التباين على مستوى الأقاليم والصناعات، وتحسين كل من الحياة المادية والروحية للشعب، ومن ثم تحقيق التنمية المتوازنة والمساواة الاجتماعية.

في العقد الماضي، شهدت الصين تحسينات شاملة وتاريخية في مجال حماية البيئة ودفعها نحو الأفضل.

وأعلن شي في اجتماع افتراضي للأمم المتحدة أن الصين ستسعى جاهدة للوصول إلى ذروة انبعاثات ثاني أكسيد الكربون بحلول عام 2030 وتحقيق الحياد الكربوني بحلول عام 2060. وأصدر تعليماته بفرض حظر على صيد الأسماك لمدة عشر سنوات في نهر اليانغتسي. ولكل نهر في الصين الآن أيضا “رئيس نهر” مسؤول عن حمايته البيئية. وتم إنقاذ أنواع كانت على وشك الانقراض مثل الباندا العملاقة والظباء التبتية والفهود الثلجية، وذلك بفضل جهود الحماية المحسنة.

وقاد شي البلاد في معركة غير مسبوقة ضد التلوث، ولا سيما تلوث الهواء والمياه والتربة. وآتت سنوات من الجهود الحثيثة ثمارها، إذ تحسنت جودة الهواء بشكل كبير في بكين، كما هو الحال في أماكن أخرى في جميع أنحاء البلاد. وقال تقرير صادر عن معهد سياسة الطاقة بجامعة شيكاغو إن كثافة الجسيمات الضارة في الهواء في الصين انخفضت بنسبة 40 في المائة بين عامي 2013 و2020. وأضاف أنه إذا استمر هذا الوضع فسيضيف نحو عامين إلى متوسط العمر المتوقع للمواطنين الصينيين.

ووضع شي الابتكار العلمي التكنولوجي في صميم التنمية الوطنية الشاملة وأصدر الدعوة لبناء قوة علمية وتكنولوجية أكبر. وزار مواقع إطلاق الأقمار الصناعية، ومختبرات الرقائق، وورش عمل القطارات فائقة السرعة للتعرف على أحدث التطورات العلمية والتقنية. وقال شي “لا يمكنك أن تطلب أو تشتري أو تتوسل للحصول على التقنيات الأساسية في المجالات الرئيسية من بلدان أخرى. يجب أن تبقى في أيدينا بحزم”.

وفي مؤشر الابتكار العالمي، الصادر عن المنظمة العالمية للملكية الفكرية، ارتفع تصنيف الصين من المركز الـ34 في عام 2012 إلى المركز الـ11 في عام 2022.

ولدى شي علاقات وثيقة مع الجيش ويعرف عملياته جيدا. لقد أطلق الإصلاح العسكري المُزلزل، في محاولة لبناء جيش التحرير الشعبي الصيني ليصبح قوات مسلحة من الطراز العالمي. وعلى مدى العقد الماضي، كشفت الصين النقاب عن حاملتي طائرات محليتين. وتم تشغيل الطائرة المقاتلة الشبح من الجيل الخامس J-20. كما أخذت الصين زمام المبادرة في أبحاث الأسلحة التي تفوق سرعتها سرعة الصوت.

ووصفت وسائل إعلام شي بأنه الزعيم الذي يجعل الصين قوية، مشيرة إلى أنه حل عددا كبيرا من المشاكل التي ظلت مستعصية لفترة طويلة وحقق العديد من الإنجازات المهمة للغاية مستقبليا.

وفي أكتوبر عام 2017، تم رسميا خلال المؤتمر الوطني الـ19 للحزب الشيوعي الصيني إرساء فكر شي جين بينغ حول الاشتراكية ذات الخصائص الصينية لعصر جديد، كمبدأ توجيهي. وتم إدراج هذا الفكر في دستور الحزب الشيوعي الصيني ودستور الصين.

وقال ديفيد فيرغسون، الذي حرر الترجمة الإنجليزية لأربعة مجلدات من “شي جين بينغ: حول الحكم والإدارة”، إن التخفيف من حدة الفقر، والحزام والطريق، والتنظيف البيئي كلها تتناسب مع فكر شي جين بينغ، وهي مناسبة على المستوى الشعبي حيث تتحول الخطط لعمل ملموس، وتقود التغييرات التاريخية على مدى العقد الماضي.

وفي عام 2016، تم إقرار مكانة شي الجوهرية كنواة للجنة المركزية للحزب وللحزب بأكمله في الجلسة الكاملة السادسة للجنة المركزية الـ18 للحزب الشيوعي الصيني.

وحول ذلك قال شي “بالنسبة لي، هذا يعني تكليفا”، متعهدا بتكريس كل وقته وطاقته لهذا العمل حتى يتمكن من الارتقاء إلى مستوى ثقة الحزب والشعب به.

وفي عام 2021، صدر القرار التاريخي الثالث للحزب القائل بأن المكانة الجوهرية لشي والدور التوجيهي لفكر شي لهما أهمية حاسمة لدفع العملية التاريخية لإحياء النهضة العظيمة للأمة الصينية إلى الأمام.

رجل قوي ذو قلب رقيق

يتمتع شي بسجل حافل في إدارة الأزمات. وبفضل سنوات من التعامل مع المواقف الصعبة، يتمتع شي بالخبرة والشجاعة والمثابرة اللازمة للتعامل مع الاختبارات والتحديات التي تواجه الصين اليوم.

أثناء عمله في المناطق الساحلية في فوجيان وتشجيانغ وشانغهاي، قاد شي جهود الاستجابة المحلية للعديد من الأعاصير العاتية، حيث أمضى ليالي طويلة في توجيه عمليات الإخلاء، لتقليل الخسائر في الأرواح والممتلكات.

وعندما شغل منصب نائب الرئيس الصيني، أشرف شي على الاستعدادات لدورتي الألعاب الأولمبية والبارالمبية في بكين عام 2008، اللتين أقيمتا في عام حافل بضغوط كبيرة مثل زلزال ونتشوان المدمر وأعمال الشغب في لاسا. ومع ذلك، فقد تم تذكر أولمبياد بكين 2008 كواحدة من أفضل الألعاب في التاريخ. وبعد حوالي 14 عاما، تحت قيادة شي، قدمت الصين للعالم دورة ألعاب أولمبية شتوية تتسم بالسلاسة والآمان والروعة على الرغم من جائحة كوفيد-19 وما يسمى بـ “المقاطعة الدبلوماسية” من قبل بعض الدول الغربية.

وقال شي إن الصين في العصر الجديد تواجه تحديات وشكوكا أكثر خطورة، مضيفا “يجب أن نكون مستعدين لخوض صراع كبير مع العديد من الميزات التاريخية الجديدة”. وأثناء إشرافه على صياغة التقرير المقدم إلى المؤتمر الوطني الـ18 للحزب الشيوعي الصيني، وطالب شي بإدراج هذا البيان.

واستجابة للأوضاع الخطيرة في هونغ كونغ، طرح شي مجموعة من الإجراءات، لضمان أن الحكومة المركزية تمارس ولايتها القضائية الشاملة على هونغ كونغ وأن المنطقة يديرها وطنيون.

التقى شي مع ما يينغ جيو في سنغافورة في عام 2015 ، وهو الاجتماع الأول بين قادة جانبي مضيق تايوان منذ عام 1949. وتدهورت العلاقات عبر المضيق بعد وصول الحزب الديمقراطي التقدمي إلى السلطة في تايوان في عام 2016. واقترح شي سلسلة من الإجراءات، بما في ذلك حل “نظامين” لمسألة تايوان، من أجل “الحفاظ على المبادرة والقدرة على توجيه العلاقات عبر المضيق”.

وفي أغسطس 2022، وفي تجاهل لتحذير الصين الصارم، مضت رئيسة مجلس النواب الأمريكي نانسي بيلوسي في زيارتها إلى تايوان، مما تسبب في تصاعد التوترات عبر مضيق تايوان. وأجرى جيش التحرير الشعبي الصيني تدريبات قتالية مشتركة على نطاق غير مسبوق حول جزيرة تايوان، مما ردع بشكل فعال القوات الانفصالية “لاستقلال تايوان” والتدخل الأجنبي.

وشبه شي استجابة الصين لكوفيد-19 بالحرب. وتحت قيادته، سبقت الصين دول العالم في السيطرة على كوفيد-19 واستئناف العمل والإنتاج. وبعد السيطرة على التفشي الشديد في ووهان وهوبي، قاد شي الصين في تنفيذ سياسة “صفر- كوفيد” الديناميكية، والحفاظ على معدلات الإصابة والوفيات بسبب كوفيد-19 في البلاد عند مستوى منخفض للغاية.

وقال شي إنه بالنظر إلى عدد سكانها الضخم، إذا تبنت الصين سياسات الوقاية والسيطرة من قبيل مناعة القطيع أو نهج عدم التدخل، فإن العواقب ستكون كارثية.

وكان التعامل مع العلاقات بين الصين والولايات المتحدة من أولويات شي في العقد الماضي. وعندما بدأت الولايات المتحدة حربا تجارية ضد الصين، اتبع شي استراتيجية مفادها أن الصين لا تريد حربا تجارية ولكنها لا تخاف منها وستخوضها إذا لزم الأمر.

وفي اجتماعاته مع الرئيس الأمريكي السابق دونالد ترامب والرئيس الأمريكي الحالي جو بايدن، قال شي إن الصين والولايات المتحدة لا ينبغي أن تقعا في ما يسمى بفخ الصراع والمواجهة، وإن التعاون هو الخيار الأفضل.

وبصفته رجلا قويا في مواجهة التحديات والأزمات، يتمتع شي بجانب لطيف أيضا. فكتب رسائل رداً على الشعب الأمريكي، من بينهم طلاب شباب. وأعرب عن أمله في أن يصبح الطلاب سفراء شبابا للصداقة بين الشعبين الصيني والأمريكي.

يُذكر أن شي لديه موقف منفتح تجاه الآراء المختلفة وحتى الانتقادات. وخلال فترة توليه منصب أمين لجنة الحزب بمحافظة، تلقى رسالة من شاب انتقد فيها عمل المحافظة حول زيادة إنتاج السلع التجارية. ودون أن يشعر بالإساءة من النقد، اعترف شي بموهبة الشاب وقرّر إرسال أشخاص لمقابلته حتى يوفر وظيفة له. وبصفته أعلى مسؤول بالحزب، شدد شي أيضا على أن الانتقادات والاعتراضات مسموح بها في المناقشات داخل الحزب وعملية صنع القرار.

ويحب شي إقامة صداقات مع المثقفين والكتاب والفنانين. وعندما كان مسؤولاً في مقاطعة خبي، استمتع بالعديد من المناقشات الملهمة مع الكاتب جيا دا شان. وفي بعض الأحيان، كان الاثنان يلتقيان في مكتب شي ويتجاذبان أطراف الحديث حتى وقت متأخر من الليل، ليوفاجآ بعد ذلك أن البوابة الرئيسية للمجمع قد أغلقت.

وكمشجع متحمس للرياضة، يستمتع شي بكرة القدم وهوكي الجليد والملاكمة والسباحة، وغالبا ما يخصص وقتا من جدول أعماله المزدحم للسباحة. وذات مرة ذكر شي لكوادر كانوا يكملون عملا اقتصاديا، إنه “مثلما يركز الرياضيون على التعاون خلال مباريات كرة القدم الكبيرة، ينبغي لنا أن ينصب تركيزنا على التعاون أكثر من المهارات الفردية”.

النضال من أجل عالم أفضل

عندما كان شابا، افتتن شي جدا بالتنوع الثري للعالم. وفي ريف مقاطعة شنشي، قرأ شي بنهم كتب الأدب الكلاسيكي العالمي، مثل مسرحيات فاوست وويليام شكسبير. وقرأ كتاب “رأس المال” ثلاث مرات، في حين ملأ 18 دفترا بتأملاته حول هذا الكتاب. وذكر لاحقاً أن “الماركسية، رغم أنها واسعة النطاق وعميقة، يمكن تلخيصها في جملة واحدة: “السعي إلى تحرير البشرية”.

وساهمت جميع الأفكار المبكرة حول العالم والبشرية في بلورة “مجتمع المصير المشترك للبشرية”، الرؤية التي طرحها شي في عام 2013.

وأوضح شي “إن البشرية، من خلال العيش في نفس القرية العالمية وفي نفس الحقبة التي يلتقي فيها التاريخ والواقع، تظهر بشكل متزايد كمجتمع مصير مشترك، حيث أن كل فرد في نفسه القليل من الآخرين”.

وفي عام 1985، سافر شي، الذي كان مسؤولا على مستوى المحافظة آنذاك، إلى الولايات المتحدة كجزء من وفد صيني في رحلة بحث زراعي. وأقام في منزل عائلي في ريف أيوا، حيث نام في غرفة نوم ابن عائلته المضيفة، الذي كان في الجامعة في ذلك الحين. وكانت الغرفة مزينة بأشياء مستحدثة مثل نماذج شخصيات سلسلة الخيال العلمي “ستار تريك”.

وفي إشارة إلى هذه الرحلة للولايات المتحدة بعد قرابة ثلاثة عقود، قال شي إن الشعبين الصيني والأمريكي لديهما العديد من الأشياء المشتركة، ويمكنهما أن يصبحا صديقين وشريكين حميمين ينعمان بالتعاون متبادل المنفعة.

وقد زار شي الولايات المتحدة ثماني مرات، وكان أول زعيم صيني يشاهد مباراة في الدوري الأمريكي لكرة السلة للمحترفين “إن بي أيه” في ملعب بالولايات المتحدة. وأثناء زيارته لكوبا، قام بزيارة خاصة لحاجز الأمواج في كوجيمار، حيث كتب همنغواي “الرجل العجوز والبحر”، فيما عرّج على الحانة التي كان همنغواي يتردد عليها ليطلب مشروب موخيتو.

وعقد شي والرئيس الروسي فلاديمير بوتين حوالي 40 اجتماعا منذ عام 2013، لرسم مسار العلاقات الثنائية. وأقامت الصين وروسيا شراكة التنسيق الاستراتيجية الشاملة لعصر جديد. وزادت التجارة الثنائية من 88.1 مليار دولار أمريكي في عام 2012 إلى 146.8 مليار دولار أمريكي في عام 2021. وتعاون البلدان في مشروعات طاقة كبرى مثل المسار الشرقي لخط أنابيب الغاز الطبيعي بين الصين وروسيا. كما أطلق الجانبان تعاونا في مجالات متطورة مثل محطة أبحاث القمر الدولية.

يدعو شي إلى بناء نمط جديد للعلاقات بين الدول الكبرى. وأنشأت الصين شبكة شراكات عالمية، بتجاوز عقلية المواجهة والتحالف التي عفا عليها الزمن. وفي هذا الصدد أشار شي إلى أنه “لا يمكن للمرء أن يعيش في القرن الـ21 بعقلية الحرب الباردة وعقلية اللعبة الصفرية اللتين عفا عليهما الزمن”.

ويحرص شي على صداقة الصين مع الدول النامية الأخرى. فخلال اجتماعاته مع قادة أفارقة، أعلن عن سلسلة من المبادرات للتعاون العملي. ودعا شي دول البريكس والاقتصادات الناشئة الأخرى إلى اتباع الانفتاح والابتكار.

وقال شي إن الصين “أسد مسالم وودود ومتحضر” و “كيان ضخم” لكنها ليست “مفستوفيليس”، وذكر “نرحب بجميع الدول لركوب القطار السريع لتنمية الصين”.

وأكد شي أن الصين دائما بانية للسلام العالمي، قائلا “لا يمكن أن يكون هناك أمل في السلام، إلا عندما نعتز جميعا بالسلام ونحافظ عليه ولا ننسى أبدا دروس الحرب المؤلمة”.

ومنذ تفشي جائحة كوفيد-19، ظل شي منهمكا في “الدبلوماسية السحابية” المكثفة. وفي عام 2021، أجرى أكثر من 100 نشاط دبلوماسي عبر الهاتف أو الرسائل أو دائرة الفيديو. وحضر اجتماعات افتراضية لمكافحة الجائحة، بما في ذلك قمة قادة مجموعة الـ20 الاستثنائية والدورة الـ73 لجمعية الصحة العالمية. وبتعليمات من شي، أرسلت الصين إمدادات مكافحة الفيروس إلى أكثر من 150 دولة، ووصلت لقاحات محلية الصنع – تعهد شي بجعلها منفعة عامة عالمية- إلى أماكن كثيرة حول العالم.

وثمة منفعة عامة عالمية أكبر، ألا وهي مبادرة “الحزام والطريق” التي اقترحها شي. ووقعت ثلاثة أرباع دول العالم تقريبا على وثائق تعاون مع الصين للبناء المشترك لـ”الحزام والطريق”.

ويعتبر شي شخصية هامة في دفع بعض المبادرات والإجراءات للتعامل مع القضايا العالمية، بما فيها تغير المناخ.

وقال الأمين العام السابق للأمم المتحدة بان كي مون: “لولا مبادرة الرئيس شي جين بينغ، لما وصلنا إلى اتفاقية باريس، ولا حتى الآن”.

وقال شي إن الصين لديها القدرة والمسؤولية للاضطلاع بدور أكبر في الشؤون العالمية.

وقال عالم الاجتماع البريطاني مارتن ألبرو إن الصين لديها فرصة رائعة لتولي دور قيادي فيما يتعلق بخلق مستقبل مشترك، منوها “هذه ليست القيادة بالمعنى العسكري، وإنما القيادة بالمعنى الأخلاقي والقيمي”.

نموذج جديد للحضارة

قال شي “إن فهمنا للزمن يقاس بمئات أو آلاف السنين”.

إنه يستمد القوة من التاريخ والثقافة التقليدية الصينية الرائعة ليحكم الصين ويقود البلاد نحو التحديث.

استشهد شي ذات مرة بمقولة الكاتب الألماني غوتهولد افرايم ليسينغ “إن التاريخ لا ينبغي أن يرهق الذاكرة، بل يلهم التفكير السليم”.

وبصفته قارئا متعطشا للكتب التاريخية من صغره، طلب شي من المسؤولين تضمين “منظور تاريخي” عندما يفكرون ويتخذون قرارات.

وأشاد شي بالثقافة الصينية التقليدية الجيدة ووصفها بأنها “جذور وروح” الأمة الصينية.

وأكد شي على الثقة في أربعة مجالات: في طريق ونظرية ونظام وثقافة الاشتراكية ذات الخصائص الصينية، قائلا إنه من بين المجالات الأربعة، تعتبر الثقة في ثقافة المرء هي الشكل الأوسع والأعمق والأكثر جوهرية للثقة بالنفس.

في هذا السياق قال مارتن جاك، الأكاديمي والمعلق السياسي البريطاني “إن الصين ليست دولة قومية فحسب، بل هي حضارة ترتدي عباءة الدولة. إذا لم تفهم ذلك، أرى أنك لا تفهم أي شىء عن الصين”.

يقود شي الصين للسير على طريق صيني فريد إلى التحديث، وهو ما قال عنه المحللون، إنه يخلق نموذجا جديدا للحضارة البشرية.

وبحلول عام 2035، ستحقق الصين، أكبر دولة نامية في العالم، التحديث بشكل أساسي، حيث ستكون المرة الأولى في تاريخ البشرية التي يحقق فيها تعداد سكان يزيد على مليار نسمة التحديث الشامل.

في ذلك الوقت، سيصل معدل نصيب الفرد من مجمل الناتج المحلي إلى مستوى الدول المتوسطة التقدم، وتتوسع الفئة ذات الدخل المتوسط بشكل ملحوظ. كما ستصبح الصين رائدا عالميا للإبداع، وتشهد انخفاضا مستقرا لانبعاثاتها من ثاني أكسيد الكربون بعد وصولها إلى الذروة. كما ستضاعف الصين من الطول الإجمالي للسكك الحديدية الفائقة السرعة، التي هي بالفعل الأطول في العالم حاليا.

إن تقدم الصين في عملية التحديث ليس فقط مصدر فخر للشعب الصيني، بل يوفر خيارا جديدا للدول التي تود تسريع تنميتها مع الحفاظ على استقلالها.

قصة نجاح الصين، التي تحققت من خلال تكييف المبادئ الأساسية للماركسية مع الواقع الصيني الخاص وثقافتها التقليدية الرائعة، هي أيضا قصة إحياء للاشتراكية. إذ أن الاشتراكية، وبعد مضي 500 عام من ولادتها، نمت وازدهرت على الرغم من النكسات وضجيج الرافضين، وتم إحياؤها على أيدي الشيوعيين الصينيين في العصر الجديد.

لقد بدأت مسيرة جديدة. وسيقود شي الصين إلى متابعة إحياء النهضة العظيمة للأمة الصينية من خلال اتباع المسار الصيني الفريد للتحديث، ومواصلة السعي من أجل مستقبل مشترك للبشرية.

وقال شي “الرحلة أمامنا طويلة وشاقة، لكن بخطوات حازمة سنصل إلى وجهتنا”.



Source link