من ينادي السلطان علي دينار؟ | آراء


السلطان علي دينار آخر سلاطين الفور، من السلالة الكيراوية في سلطنة دارفور بالسودان. أقام في مدينة الفاشر عاصمة دارفور، وشيّد مصنعًا لصناعة كسوة الكعبة وظل طوال 20 عامًا تقريبًا يرسل كسوة الكعبة إلى مكة المكرمة، وينسب إليه حفر أبيار علي ميقات أهل المدينة للإحرام للحج والعمرة جوار المدينة المنورة وتجديد مسجد “ذو الحليفة”.

اسمه الأصلي محمد علي أما دينار فتعني باللهجة الدارفورية (دي نار) أي أن هذا الشخص رجل نار وصعب وقوي وشجاع.

عُقد مؤخرًا في تركيا اجتماع تذكاري في الذكرى الـ106 لاستشهاد السلطان علي دينار، وهذا الحدث يتم عقده لأول مرة في إسطنبول.

الإجابة الوافية على أكاذيب مروجي الكراهية

عندما يتم الحديث عن العلاقات بين تركيا والسودان، فإنه يتم الحديث بشكل تلقائي عن الأخوة التي تجمع بين الدولتين والعلاقات الوثيقة والمحادثات العميقة بينهما، ولكن لفهم طبيعة الأسباب التي آلت إليها هذه الجذور العميقة؛ فمن الضروري التعرف على السلطان علي دينار وفهم عهده، فهذه هي المرة الأولى التي يتم فيها عقد مثل هذا الاجتماع التذكاري للسلطان علي دينار، الذي استشهد قبل 106 سنة بينما كان يقاتل إلى جانب الإمبراطورية العثمانية ضد البريطانيين.

هذه البطولة لا يعلم أحد عنها شيئا، وهذا في رأيي إغفال لا يغتفر لعمقنا التاريخي والجغرافي الحقيقي وهويتنا، ولكن أن تأتي متأخرا أفضل من أن لا تأتي مطلقًا.

أرى أن هذا الإغفال لهذا الحدث الكبير في تاريخنا التركي لا يُغتفر لسببين:

  • الأول أنه لا يليق بنا أن ننسى عمق وأصالة العلاقات بين تركيا والسودان.
  • والثاني أنه يُظهر وبوضوح حقيقة العبارة المبتذلة الشهيرة أن “العرب أطلقوا النار علينا في الظهر، وخانونا”، تلك التي يتم الحديث عنها بجهل وكراهية.

إذا كان الآلاف من العرب والهنود والأكراد والألبان الذين يرقدون مع إخوانهم الأتراك في إرشاناكالي وسارشكام والعديد من المواقع التي استشهدوا فيها مع بعضهم؛ لا يشكلون إجابة كافية عن هذه الجملة؛ فإن علي دينار مثله مثل الشيخ أحمد السنوسي، هو إجابة ممتازة لذلك السؤال.

هذه الإجابة فقط لأولئك الذين يتساءلون تساؤلاً حقيقيًّا، ويبحثون عن إجابات تهدئ أنفسهم، أما أولئك الذين يكررون هذه العبارات والمغالطات بدافع الكراهية المطلقة، فلهذه طريقة أخرى للرد عليهم ليس محلها هنا في ذلك المقال.

لم تستمر علاقات دينار طيبة مع الإنجليز طويلا، فقد كان السلطان يبدي استقلالية كبيرة في حكم إقليم دارفور، على الرغم من أن الإقليم تابع لحكومة السودان الخاضعة لسيطرة الإنجليز

السلطان والاحتلال الفرنسي والإنجليزي

عندما جاء علي دينار لحكم سلطنة دارفور في نهايات القرن الـ19؛ كان الاحتلالان البريطاني والفرنسي قد انتشرا في القارة ليوقفا أي قوة مستقلة، وكان علي دينار سلطانًا حاول حماية دارفور كوطن إسلامي يعيش في ظل الإمبراطورية العثمانية من هذا الاحتلال وحاول رفع العلم العثماني على هذه الأرض، ومن أجل تحقيق هذا الغرض قام بالعديد من المناورات السياسية الماهرة ضد البريطانيين -الذين أحاطوا به من جميع الجهات- ورفض العديد من مطالب البريطانيين في المنطقة التي حكمها وشن نضالا حقيقيا ضدهم من أجل الاستقلال.

لم تستمر علاقات دينار طيبة مع الإنجليز طويلا، فقد كان السلطان يبدي استقلالية كبيرة في حكم إقليم دارفور، على الرغم من أن الإقليم تابع لحكومة السودان الخاضعة لسيطرة الإنجليز.

فرغم أن علي دينار قد حرص على التأكيد أن إقليم دارفور تابع بالفعل لحكومة السودان، وبقي يدفع جزية لحاكم السودان حتى عام 1915، فإن دينار كان يتصرف كما لو أن إقليم دارفور جزء مستقل بذاته، حتى إنه لم يسمح لأي موظف حكومي بالدخول إلى الإقليم كما كان يتهرب دائما من مقابلة مبعوثي الإنجليز إلى دارفور.

ولم يجد الإنجليز مفرًّا من التعامل مع علي دينار على أنه أمر واقع فرض عليهم، فقد استطاع الرجل فرض هيمنته على إقليم دارفور، وسيكلف الإنجليز ثمنًا باهظًا إذا ما أرادوا تغييره.

كانت حركة حصار الفرنسيين والبريطانيين ضد الإمبراطورية العثمانية في الواقع قد بدأت قبل فترة طويلة من الحرب العالمية الأولى عبر أفريقيا وفي اليمن ومنطقة الحجاز، ومن خلال نشاطهم في أفريقيا وجدوا حلفاء جادين وأقوياء للغاية مع تفاهم يتمحور حول مواجهة الاتحاد الإسلامي العثماني والخلافة.

ولكن كلًّا من السنوسي وعلي دينار في كل من ليبيا ودارفور، ومعهم قيادة حركة مباهج الحياة -على الرغم من الصراع بينهم- جعلوا الإمبراطورية العثمانية تعيش حتى اللحظة الأخيرة، وحتى أنهم ربما كانوا سببًا في هزيمة البريطانيين في الحرب ضد هذا التحالف الذي لم يكونوا مجبرين عليه، ولهذا فإن خسارتهم واستشهادهم هو أمر كبير ويعتبر وسام شرف يجب أن نعترف به ونتذكره على مدى الأزمان.

في الواقع؛ لم يكن لدى أيٍّ منهم أي سبب آخر لمعارضة البريطانيين غير الولاء للإمبراطورية العثمانية، فقد كانت السودان في تلك اللحظة قوة صاعدة؛ ووعدهم البريطانيون بالسلطة، لكنهم لم يتوقفوا عن القتال ضد البريطانيين من أجل حماية أرض إسلامية من الغزاة، باسم الولاء للإمبراطورية العثمانية التي شعروا بولاء صادق نحوها.

عندما وصلت الرسالة التي تحتوي على فتوى الجهاد التي أعلنها الخليفة العثماني ضد البريطانيين إلى يديه؛ أعلن السلطان علي دينار -دون تردد- استقلاله بإصدار إعلان في 22 أبريل/نيسان 1915، وخفض الضريبة التي كان يرسلها إلى البريطانيين حتى ذلك الحين، وأعلن رسميًّا الجهاد ضد بريطانيا وحلفائها. وقال في رسالته إلى أنور باشا -وزير الحربية في نهاية الدولة العثمانية- “أردت أن أبلغ الخليفة أنه بمجرد أن بدأت هذه الحرب بين سلطان الإسلام والبريطانيين والفرنسيين -الذين هم كفار وزنادقة- وحلفائهم، قطعتُ العلاقات مع الكافر بالله والإسلام وأعلنت الحرب، وشجبتهم كأعداء”.

إن هذا الموقف المنفتح لعلي دينار، والذي كان على ما يرام معهم بطريقة ما، على الرغم من أنه لم يستسلم تماما للسياسات التوسعية للبريطانيين حتى ذلك الحين كان قرارًا يمكن أن يغير ميزان الحرب في البداية. ولم تكن القوة التي لدى علي دينار بالتي يمكن تجاهلها. بالإضافة إلى ذلك؛ كان من الممكن أن يكون اختياره للوقوف إلى جانب الإمبراطورية العثمانية بهذا الخطاب والعنف قدوة للدول الأخرى.

لذلك وعلى الرغم من أن البريطانيين حاولوا جذب علي دينار إلى جانبهم من خلال كتابة رسائل إلى العلماء لتغيير رأيهم، فإن السلطان لم يغير رأيه وقاتل بكل وسائله إلى جانب الإمبراطورية العثمانية، وبأحدث الأسلحة والجيوش -وعلى الرغم من الصعوبات الكبيرة- ضد البريطانيين؛ حتى استشهد برصاصة أصابت رأسه في 6 نوفمبر/تشرين الثاني 1916؛ حيث إن موقفه ونضاله واستشهاده شهود على الدماء والمشاعر والأفكار التي أسهمت في وجود تركيا اليوم.

بدأ العمل في تشييد قصر السلطان علي دينار في عام 1871 واكتمل في عام 1912 تحت إشراف الحاج عبد الرازق الملقب بباشا بوك الذي قدم إلى الفاشر من بغداد وكان من أصل تركي. على الرغم من تحوله لمتحف منذ قرابة 40 عاما، وإدراجه ضمن لائحة اليونسكو للتراث العالمي فإن القصر يعاني الإهمال الطويل.

وقد عزم الرئيس التركي رجب طيب أردوغان على ترميم القصر بعدما زار السودان في عام 2006، تكريمًا لذكرى علي دينار، الذي وقف مع الأتراك في حربهم ضد الإنجليز. وتم تسليم القصر لرئاسة وكالة التعاون والتنسيق التركية “تيكا” (وهي وكالة حكومية تركية تعنى بتقديم المساعدات والقيام بمشاريع تهتم بالتاريخ والآثار التركية) للاعتناء به والحفاظ عليه.

من أهم الآثار الموجودة في متحف القصر 3 قوائم خشبية ضخمة لحمل نحاس السلطان وهو عبارة عن طبلة ضخمة تزن نحو 200 كيلوغرام ومحيطها حوالي مترين إلى 3 أمتار، وكانت هذه الطبلة السلطانية الضخمة تستخدم لإعلان الأوامر والحرب وفي حالات المناسبات السلطانية.

سيكون هذا القصر هو إحدى أدواتنا الرئيسية لجذب انتباه الأجيال الجديدة إلى الشهادة التاريخية التي قدمتها قصة استشهاد علي دينار إلى المديرية العامة للآثار التاريخية والمتاحف بالسودان في يوليو/تموز 2021.

ولكن قبل أن تخبر قصة استشهاد علي دينار السودانيين بأي شيء؛ فمن الضروري أن يتم إخبار شعب تركيا بها، لأنه بقدر ما أستطيع أن أرى؛ لم ينس إخواننا السودانيون أو العرب علاقاتهم مع الأتراك، لكن شخصا ما حاول بجد أن يجعل الأتراك ينسون وجودهم وروابطهم وتراثهم في هذه الجغرافيا الواسعة النطاق والقريبة للقلب!



Source link