“100 عام من الفلسفة”.. الباحث العراقي حسين الهنداوي يربط التفلسف بازدهار الدولة | ثقافة


يربط الأكاديمي والباحث العراقي حسين الهنداوي في كتابه (مئة عام من الفلسفة في العراق) الذي صدر عن دار الشؤون الثقافية مؤخرا، نشوء وتطور النشاط الفلسفي العراقي المعاصر بولادة الدولة العراقية الحديثة معتبرا أن الفلسفة هي “بوصلة وحارس العقل العام”.

ويشرح الكتاب الكثير من المفاهيم الفلسفية وانعكاساتها في مسيرة تطور الفكر الفلسفي في العراق الحديث، متوقفا عند أهم رواده والمشتغلين به وعلاقتهم مع تيارات الفلسفة العالمية المعاصرة.

بغداد والفلسفة

يقول الهنداوي للجزيرة عن كتابه الجديد إن العراق يتمتع بعمق تاريخي وكنز حضاري هائل، فضلا عن رصيد التعدد البشري، وبالتالي الثقافي، الذي يميزه منذ آلاف السنين.

وهذه عوامل، بحسب المؤلف، “أهلته للاضطلاع بدوره العلمي المتميز في الحضارة الإسلامية” وقبلها في الحضارات القديمة الكبرى، ومعروف أن بغداد كانت واحة ولدت وتعايشت فيها “الفرق الكلامية والفلسفية والمدارس النحوية ومعظم المذاهب الفقهية، وكثير من الأحزاب السياسية وأعلام الفكر في شتى العلوم والآداب والفنون في فترات ازدهار الحضارة الإسلامية”.

ويؤكد الهنداوي أنه “لا خلاف بين المؤرخين على أن الفلسفة لعبت دورا مهما في تغيير المجتمعات نحو الأفضل”، معتبرا العالم الغربي اليوم يقوم على تراث فلسفة الأنوار وفلسفة العقل والعقلانية التي أسهمت في إزاحة التصورات القروسطية (العصور الوسطى).

ويرى المؤلف أن “العالم العربي الحديث لن يستطيع النهوض ما لم يُعِد الاعتبار الفعلي للفلسفة والعقل النقدي ثقافيا وأكاديميا”.

ويضيف الهنداوي ملخّصا كتابه الجديد هذا أن “الوعي الخاص، الذي يحققه أي شعب عن ذاته، يتجلّى في كلّ الإنتاج الفكري الخاص بذلك الشعب، سواء في علومه وفنونه وأخلاقه وعقائده وأيضا في منجزه الفلسفي”.

وعن فصول الكتاب يقول الهنداوي إنه يتألف من 5 فصول، الأول عن “طلائع التأسيس الفلسفي الجديد”، فيما تحدّث الثاني عن “إنشاء ومسيرة أوّل قسم أكاديمي للفلسفة”، أما الفصل الثالث فتحدث عن “عطاء الفلاسفة الرواد في الدولة العراقية بأسمائهم وإنجازاتهم”.

وعن الفصل الرابع يقول الهنداوي كان “قراءات وآراء”، حيث ضمّنه العديد من دراساته عن أوائل من امتهن الفلسفة وتدريسها في العراق الحديث، والذين تكرس الفصل الأخير لنماذج من كتابات أبرزهم.

اغلفت الكتب الفلسفة البابلية
كتابا “الفلسفة البابلية” و”مظفر النواب في أعالي الشجن” لحسين الهنداوي (الجزيرة)

الحاجة إلى الفلسفة

يقول الباحث والأكاديمي الدكتور باقر الكرباسي عن الكتاب إنه “يأتي في زمن يحتاج فيه العقل العراقي والعربي إلى الفلسفة أكثر من أي علوم أخرى”.

ويضيف الكرباسي “يأتي الكتاب كي يطلع الجيل الجديد الذي ضاع بين البطالة والإنترنت على ما أنجزه العلماء العراقيون في مجالات العلوم كافة، ومنها الفلسفة وهي أم العلوم”.

الكرباسي - الكتاب يغطي طلائع التأسيس الفلسفي في عراق العصر الحديث ( الجزيرة نت )
الكرباسي: الكتاب يغطي طلائع التأسيس الفلسفي في عراق العصر الحديث (الجزيرة)

وعن محتويات الكتاب يقول إنه يغطي “طلائع التأسيس الفلسفي في عراق العصر الحديث حيث كان البدء عبر الاحتكاك وحتى الانخراط في الحياة الثقافية التركية لا سيما منذ مطلع النصف الثاني من القرن الـ19”.

وتابع بأن “الاهتمام بالفلسفة بدأ هامشيا وظل مقتصرا على نخبة صغيرة جدا من الكُتّاب والمفكرين إلا أن تلك النخبة هي التي غدت مع مرور الزمن الوجه الأخصب للنشاط الفلسفي في العراق”.

ويعتبر الكرباسي أن تأثير “الوجودية شمل العديد من الكُتّاب والشعراء العراقيين كالشاعر بلند الحيدري (1926 – 1996) وأخيه صفاء الحيدري (1921 – 1992) وحسين مردان (1927-1972) الذين تأثر بعضهم (بالفلاسفة الفرنسيين) جان بول سارتر وألبير كامو، بينما اطلع غيرهم على نصوص (الفلاسفة الألمان) هيغل أو كيركغارد وغيرهما”.

وفي المقابل، يستدرك الهنداوي بأن أولى الدعوات الاهتمام بالفلسفة في العراق كانت “لتأسيس كلية للآداب في عام 1936، ويشير إلى أن تأسيس قسم للفلسفة حديث ورد في مشاريع قديمة ومنها مشروع في 1942 يقترح تحويل دار المعلمين العالية إلى كليتين واحدة للآداب وأخرى للعلوم، وقد تحقق ذلك عندما نجحت الجهود بفتح “كلية الآداب والعلوم” في أكتوبر/تشرين الأول 1949″.

الأهمية العربية

ويقول نقاد إن الكتاب يأتي لتبيان نشوء وتطور النشاط الفلسفي العراقي المعاصر الذي اقترن بولادة الدولة العراقية الحديثة في عام 1921، محاولا توثيق وشرح منظورات العدد الكبير للمشتغلين العراقيين في حقل الفلسفة في هذه العقود الأخيرة.

ويقول أستاذ الفلسفة في كلية الآداب بالجامعة المستنصرية الدكتور رائد جبار كاظم إن “الكتاب له أهمية ثقافية مميزة للوسط الثقافي والفلسفي، ليس عراقيا فحسب بل وعربيا أيضا”.

وبحسب كاظم فإن هذه الأهمية تأتي لأن المؤلف “سعى إلى بيان المشهد الفلسفي وروّاده واتجاهاته في العراق المعاصر منذ نشأة الدرس الفلسفي أكاديميا، أو قبله بقليل، مع رواد الثقافة والأدب والدين، الذين كان لهم الأثر على التفكير والمشهد الفلسفي في العراق منذ بواكيره الأولى”.

كاظم – الكتاب عقد الصلة بين الدولة والفلسفة وبيان حالة الصعود والهبوط للفكر والفلسفة والثقافة ( الجزيرة نت )
كاظم: الكتاب عقد الصلة بين الدولة والفلسفة وبيان حالة الصعود والهبوط للفكر والفلسفة والثقافة (الجزيرة)

وهذه البدايات كما يقول كاظم “أثمرت أفكارا وفلسفات وتوجهات وأقلاما فلسفية لها ثقلها عراقيا وعربيا”.

ويعتقد الأكاديمي العراقي أن هناك فراغا كبيرا في “الكتابة عن الفلسفة في العراق المعاصر”، وإذ حاول هذا الكتاب أن يملأ ذلك الفراغ، فإنه أيضا “حاول دمج العراق في خارطة الفكر الفلسفي العربي” بحسب كاظم.

وهو بهذا، كما يقول أستاذ الفلسفة، حقّق عملية “عقد الصلة بين الدولة والفلسفة، وبيان حالة الصعود والهبوط للفكر والفلسفة والثقافة تبعا لبنية الدولة وفلسفتها السياسية والأيديولوجية”.

أغلفة أخاويد- استبداد شرقي أم استبدا في الشرق
ديوان “أخاديد” وكتاب “استبداد شرقي أم استبداد في الشرق؟” للأكاديمي والمؤلف حسين الهنداوي (الجزيرة)

سيرة سياسي ومتفلسف

والهنداوي الذي يعمل الآن أمينا عاما مساعدا بجامعة الدول العربية، هو كاتب في الفلسفة والأدب، ومستشار أممي، حصل على بكالوريوس الفلسفة من كلية الآداب بجامعة بغداد عام 1970، ثم على شهادتي الماجستير والدكتوراه في الفلسفة الحديثة من جامعة بواتييه الفرنسية وكذلك على دبلوم في اللغة الفرنسية من الجامعة ذاتها.

وهو مؤسس ومدرس “قسم اللغة العربية” في جامعة بواتييه، وقد عمل في العراق خلال فترات متقطعة سابقة مستشارا لرئيس الوزراء وقبلها مستشارا لرئيس الجمهورية ومستشارا دوليا أقدم لدى بعثة الأمم المتحدة لـ7 سنوات، كما كان أول رئيس مؤسس لمفوضية الانتخابات العراقية وعضو بعثة الأمم المتحدة لحقوق الإنسان إلى هاييتي وقبلها إلى لبنان وشغل منصب رئيس تحرير القسم العربي لوكالة يونايتد برس العالمية للأنباء (UPI) لـ9 سنوات.

وعمل قبلها باحثا ومترجما في المركز الدولي للدراسات في باريس وله أكثر من 10 كتب منشورة منها: (هيغل والإسلام) بالفرنسية، وبالعربية (التاريخ والدولة ما بين ابن خلدون وهيغل)، و(هيغل والفلسفة الهيغلية)، و(على ضفاف الفلسفة)، و(فلاسفة التنوير والإسلام)، و(استبداد شرقي أم استبداد في الشرق؟)، و(الفلسفة البابلية).

وله أيضا كتب (محمد مكية والعمران المعاصر)، و(مظفر النواب في أعالي الشجن)، و(الهندية طويريج.. بيتنا وبستان بابل)، والهندية أو طويريج هي إحدى مدن محافظة كربلاء، وللهنداوي كذلك كتاب (لبنان 1991.. رحلة في كوكب ممزق) الذي وثّق فيه آثار الحرب الداخلية اللبنانية بين 1975 و1990.



Source link